كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ليندا ابراهيم: محنةُ المثقَّف

نظر إليَّ بكل بساطة وعفوية، مستغرباً متسائلاً، ألستِ أنتِ..؟ قلت له بلى أنا، فنحن لم نتقابل منذ زمن طويل.. قال: أكُلُّ المثقفين يَنْحُلُون هكذا؟ لمَ نَحُلْتِ؟ أكادُ لا أعرفك.. فأجبتُ في شبهِ مزاح: تقصد أنني "ممحونة"؟..
كان "الدَّرويشُ" بسؤاله المشاكسِ هذا يعنيه كلَّ المعنى... بلى هي محنة المثقف وأية محنة... و إذا بسؤاله العفوي المقصود هذا، وبهذه المصادفة القدرية البحتة، يثير لدي أعمق الهواجس، و يحرك أثقل الهموم.
وأخذت ذاكرتي تستعيد في اللاوعي مما يؤثَرُ عن "عبد الحميد الكاتب" أنه حين فر مع "مروان بن محمد" آخر خلفاء بني أمية، أن مرواناً قال له: (انج بنفسك يا عبد الحميد، فإنهم إن قتلوني خسرني أهلي وحدهم، وإن قتلوك خسرك العرب جميعاً)، لأن خسارة المثقف كما جاء في الحديث "مناحة تبكي فيها حيتان الماء وطيور السماء." لأنَّه يكونُ ضمير الأمَّة..
أما مصير (ابن المقفع) فتأخر بعض الشيء, ولكنه لم يكن بأفضل من مصير الكاتب. وغيرهم الكثيرون الكثيرون من مختلف الأمم وعلى مر الدهور و العصور ممن ائتمنوا على الحقيقة و تنكبوا الموقف الصادق و تنبهوا للأخطار التي تداهم الإنسان والفكر والأوطان..
فقد راهن الكثير من المثقفين عبر العصور على التغيير العقلي الجمعي, فحاولوا القيام بمسؤولية المثقف و الاضطلاع بضمير الإنسانية في التوعية، بعضهم استعان بأدوات الأدب لينتج معجزات أدبية رائعة فابتدعوا أفكارهم على لسان الحيوانات، فإذا لم ينطق الناس فلتنطق الحيوانات، وإذا أصاب البشر الخرس فلا بأس من إرسال الأفكار على لسان القرد والغيلم والجرذ والسنور، وهكذا بدأت فكرة كتاب كليلة ودمنة.. مثلاً
و من محن المثقف العالمي، محنة الكاتب السوفييتي و المثقف الشهير إسحق بابل، أنه عندما عاد من جبهة الحرب فإنه عاد إنساناً مختلفاً. وانكب على كتابة رائعته ”الفرسان الحمر” التي أثارت ضجة كبرى بعد نشرها. وصدرت قي طبعات متلاحقة عدة خلال بضع سنوات، وترجمت الى لغات عديدة. ومع اشتداد هيمنة السلطة، أخذت الرقابة الأيديولوجية تضيّق الخناق على الكتاب المستقلين، ولم يعد بإمكان بابل نشر نتاجاته الجديدة, وفضّل الصمت لسنوات عدَّة. وفي الكلمة التي ألقاها في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتاب السوفيت عام 1932، أخذ يتهكم على نفسه، ويقول ساخراً أنه اخترع جنساً أدبياً جديداً اسمه ”الصمت“.. وظلت نتاجاته محظورة حتى عام 1957. وقد تحققت نبوءة بابل، حتى تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991..
إن الأدب و الكتابة والفكر هي جوهر محنة المثقف ويا طيبها من محنة يستعذب لأجلها الموت فكيف بأصناف العذاب؟
و هل هناك ما هو أصدق وأنبل من الأدب و الثقافة في محاكاة النفس الانسانية ومعالجة قضاياها؟
فماذا تريدوننا أن نكتب نحن ممتهني الحرف والكلمة، إن لم نكتب قصص حيواتنا وأهلنا وأصدقائنا؟ وهل هناك أصدق وأروع من الأدب الذي ينبع من صميم النفس ليتسع صدقا وإنسانية؟
إنَّ محنتنا اليوم تزدادُ هوَّة و هولاً وعمقاً و اتساعاً...
إنها ليست محنة المواطن البسيط، ولا الإنسان العفوي فقط، ولا عامة الشعوب فحسب، بل هي محنة المثقف مضاعفة، محنته عبر التاريخ، ومحنته عبر هذا الزمان الأردأ...
إنها محنتنا الأعظم في المثقف الذي ليس مثقفاً... في "المثقف"المحسوب على حقل الثقافة مهنة وعملاً لكنه يبيع ضميره ويوارب عقله و يحجب كلمته الحق وموقفه الأحق باتخاذه، و الأولى بتبنيه، لنعود بأشد ماتكون إليه الحاجة لنُعَرِّفَ من هو هذا المثقف الذي نريد...
ضمير المثقف لا ينصاع إلا للفكر والحق والخير والعدالة.. وكم خسرت الإنسانية الكثير من هذه الكنوز الضَّمائر، و الأدمغة والعقول و الأقلام.. وأغلبهم من العباقرة، ولكنهم تركوا بصمات راسخة على كل من الأدب و الفكر العالميين. ونكاد ننسى اليوم أنهم قتلوا أو عذِّبوا أو همِّشوا من أجل أفكارهم و كيف، أما هم فيلتمعون يوماً إثر يوم كأشد من كوكب دري في وضح السماء
صدق "الدرويش" إذ تنبَّأ.. ففي وجوهنا محنة وطن ومحنة أيديولوجيا ومحنة أخلاق ومحنة وجود..
إنها محنة المثقف في كل زمان ومكان.. فهل من يدق ناقوس الخطر...

الثورة

ملخص لأهم الأفكار الواردة في الكتاب "الوجودية نزعة إنسانية" لجان بول سارتر
بقعة ضوء على الأديب والباحث عيسى جرجس فتوح (بقرعونة- مشتى الحلو)
روائيون وأكاديميون عرب: الواقعية السحرية عند العرب متأصلة منذ قرون بعيدة
من نوادر العرب في سوق عكّاظ
كلمات تأبينية في شيخ المؤرخين السوريين د. عبد الله حنا
الفائز بنوبل للآداب وولي سوينكا يناقش حركة "المستقبلية الأفريقية" في الأدب المعاصر في ندوة ضمن فعاليات "الشارقة الدولي للكتاب 2023"
من أسرار اللغة العربيّة (لا النافية للجنس)
الأديبة مي زيادة
ماهية الحرب والحب في كتاب جديد للشاعر عباس حيروقة
لو تلمسوا نبضَها، هذه الأميرة.. "أمل أسعد لايقة"
العلامة الدكتور محمود السيد.. قامة فكرية وعلمية أضاءت نجماً في سماء سورية
حنا مينة: الفقر ليس عاراً
الهمزتان المتوسّطة والمتطرّفة
كِتابُ (تَحريرُ العَقلِ العربيٍّ والعُبورُ إلى المُستَقبَلْ) لنبيل صالح
الأديب والفيلسوف د. جميل صليبا