كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ليندا ابراهيم: "تغريبة وطن..."

ما من بيانٍ يفي هذا الوجعَ الأشدَّ ألماً في تاريخِ أرواحهم...
ما من كَلِمٍ يفيه حقَه، ويصفُهُ حقَّ الوصف، بل ويطَهِّرُ النَّفس به ومنه، خيراً من الكتابة عنه..
فليكن إذاً كذلك... إنه وجع وطن..
كثيراً ما كانت مفردةُ "التَّغريبة" تشيرُ، وأفهمها، على أنَّها تلك الملاحم المأثورة في التاريخ، وأعني هنا تاريخ العرب مثل "تغريبة بني هلال"، و"الزِّير سالم"... والحقيقة أنني لم أسأل نفسي في طفولتي عما تعنيه حقيقةُ هذه الكلمة بل اكتفيتُ بأنْ رضيتُ لها مُعادلاً مُكافئاً في نفسي وهو "الملحمة"، أي القصَّة السَّرديَّة الطَّويلة لبطلٍ أو مجموعة أبطال أو شعبٍ أو عائلة أو قبيلة، شغلت حيزاً من التاريخ، وعاشت أحداثاً تقارب الأساطير، الحُزن والفُرقَة والموتُ والفقدُ والتَّغرُّبُ أهمُّ مفرداتِها، مع وجود نصرٍ ولو مرحلي في أحد جوانبها، يلطِّفُ جوَّها المأساويَّ العام، إلا أنها حقيقة واقعة بمعظمها، و بقيتُ فترةً من الزَّمن أتلذَّذُ بهذا المعنى الغامض الذي كان يلازم رواية الجدِّ والجدَّة لها، فتكاد تكون نافذتي الوحيدة أيَّامذاك على المجهول المُثير، والأسطورة الأشدِّ إثارةً، والتي تثيرُ في مكامن فكري وعقلي وقلبي الكثير الكثيرَ من أجنحة الخيال و الجمال والدَّهشة و المتعة، وعندما وعيتُ أكثر صرتُ أُجهدُ فكري في البحثِ عن معنى الكلمة "تغريبة"، مع تزايد معرفتنا ووعينا بما فعله الاستعمار الغربي بأوطاننا،استعماراً للأرض والفكر معاً أولاً وتالياً ولاحقاً...
وقلت لربما أتت المفردة من الغربة أيضاً، أي هؤلاء القوم وكيف تغرَّبُوا عن ديارهم وتفرقوا، لكن عقلي لم يركن لفكرة بعينها أرتاحُ لها كمعنى لمترادفة "التغريبة"، بل بقيت أشعرُ أنَّ بها أمراً غامضاً لجهة الاستخدام والاشتقاق، حتى كانت "التغريبة الفلسطينية"، هذا العمل الفني الدرامي التاريخي المعيش والأدبي الروائي المتكامل الجمال حدَّ الفرادة، والرِّيادة، في طَرْقِ مَوضُوعَة القضيَّة الفلسطينيَّة من بابها حتى محرابها... وعندها وعيت الكلمة "التغريبة" بأبعادها كافَّة..
أذكرُ أنني حين رأيتُ العرضَ الأوَّل لهذا العمل، شُدِدْتُ إليه من البداية لدرجة كبيرة، وبت مع كل صورة أجهش بالبكاء، ومع كل منعطف أعلي الصَّوت بالصَّرخة للحق المضاع، وكأنَّ كلُّ ما بي يبكي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً...
ماكان يثيرُ مكامنَ البكاء والتأثر حقيقةً، ليس فقط صدقُ اللُّغة واللهجة والأحداثِ والواقعيَّةُ في النَّصِّ و التَّمثيل والتَّجسيد حتى الإيلام في الصِّدقِ والاندماجِ في الحالة والقضية واللهجة ككل على أنَّها ليست فقط جزءاً من ذاكرة الممثلين جميعاً والقائمين على العمل كلهم دون استثناء على امتداد جغرافية بلدانهم ، بل كان طَرقُهُ بتلكَ العفويَّة النَّادرة والمقاربة المنقطعة النَّظير لنفسيَّة كلِّ فرد من أفراد الشعب الفلسطيني الذي عانى القضية وعاشها، بل لذاكرة شعب وأمَّة بأكملها، محنةً لاتزال الأكبرَ والأشدَّ ابتلاءً وفرادةً في تاريخ الشُّعوب والأمم قاطبة، بل مايؤثر في النفس ويحزُّ بها عميقاً ما أنتجه العمل من تجسيد لواقعٍ إنَّما يجدُ له مثيلاً في واقع أيِّ مكانٍ من أرض العرب، فالوجعُ واحدٌ، والألمُ واحد، والمعاناة هي هي، بل الأهلُ هم نفسهم من دمٍ واحدٍ ونفسٍ واحدةٍ وبيت واحد..
إنّها تغريبة الوطن، و تغريبة عن الوطن: الأرض، الديار، الأهل..عن ذكريات الطفولة والحياة والعيش، عن أشجار زُرِعَت وثمارٍ قُطفَتْ و بيوتٍ سُكِنت و دُورٍ بُنِيَتْ، عن ليمونة فتيَّة وزيتونة شذيَّة وبيارة صبيَّة و كرمٍ يافع، عن شعب هُجِّرَ من منزله وأرضه ودُوره إلى الخيام والشتات والمعتقلات والموت...
هي تغريبة وتغريبُ شعبٍ عن وطنه وأرضه، ليعيش محنة الغربة في كلِّ أرض تصلها أرواحُ بنيه المشردة إلا أرضه ..المنكَّل بهم داخله، محنة الحجر والشجر والبشر.. وأية محنة...
تغريبة بكل ماتعني الكلمة من معنى لجهة أنها ملحمة تصلح رواية الأجداد لأحفاد الأحفاد..لجهة أنها القضية الأكثر عدالة وضميرية في تاريخ الشعوب... لجهة أنها امتدت لعقود وعقود واستنزفت من الدم والنفوس والذاكرة ولا يعلم مداها أحد... لجهة أنها من قِبَلِ عدوٍّ هو الأكبرُ والأشرسُ والأحقدُ والألدُّ عداوة وعدواناً في تاريخ الذاكرة البشرية..
انتبهتُ.. إذ توقفتْ ذاكرتي عن التداعي، ويدي عن الكتابة، على صوت شارة المسلسل "التغريبة الفلسطينية"، و"الكايد" "أبو صالح" على باب "دكانه" في "المخيم"، مكابداً ألمَ "الكَضِيِّة"، بوجعٍ نادرٍ غامضٍ سيبقى يثيره هذا الجرحُ النَّادرُ الغامض..

الثورة

كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف