كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عبد الكريم الناعم: من الذّاكرة 36

في أواخر سبعينات القرن الماضي، نُقِل من التّعليم، وعيِّن رئيساً لتحرير جريدة العروبة في حمص، وكانت له أحلامه، ورؤاه، وطموحاته، وعلى رأسها أن يجعل من الصحيفة المحليّة صحيفة تسعى لتخطّي محلّيّتها، وذلك من خلال استقطاب الأقلام المعروفة من داخل حمص ومن خارجها، واستطاع خلال فترة قصيرة أن يُحدِث تغييرا ملحوظاً، ولمّا كانت الجريدة لا تلبّي تطلّعاته، فقد أخذ الموافقة على إصدار ملحق ثقافيّ للعروبة، وكان يصدر مُلحق باسم صحيفة الثورة في دمشق، لعب دوراً كبيرا في تنشيط الحركة الثقافيّة والفكريّة، وكتب فيه كتّاب مشهورون في سوريّة، وتتبّعاً لذلك الطموح، وبحكم علاقاته الطيّبة مع أدباء حمص، ومثقّفيها، وفنّانيها، ومُبدعيها، صدر ملحق العروبة الثقافي، وعسى ألّا أكون قد نسيت التسمية فها قد مضى عليها قرابة الأربعين عاما ونيّفاً، ولم يقصر الكتابة والمساهمة فيه على أبناء حمص وحدهم، بل استكتب، بحكم معارفه وصداقته على مستوى القطر عدداً من الأسماء الأدبيّة المعروفة آنذاك، وكان يُرسل لهم تعويض استكتابهم إلى عناوينهم في المدن التي يقطنون,  فيها، وقد استعان ببعض الفنّانين التشكيليّين لإخراج أعداد الملحق، وصارت لذلك الملحق سمْعته الأدبيّة في أوساط المثقّفين 
في أواخر السبعينات، وأوائل الثمانينات بدأتْ اغتيالات غامضة في البداية، في سوريّة، تقصّدت أبناء طائفة واحدة، واختاروا الأسماء ذات الحضور العلمي، والثقافي، والاجتماعي، وكان خياراً أوّليا، لأنّهم فيما بعد لم يتوانوا عن اغتيال بائعين على البسطة، وتكشّف بعد زمن من المتابعات الأمنيّة أنّ الذين يقومون بهذه الاغتيالات هم جماعة "الاخوان المسلمون"، وكانت المرّة الثانية التي يوقدون فيها هذه الحرائق، إذ قاموا بعمليّات شغب، وقتل، وإثارة فتنة في عام 1964، وعرفت مدينة حمص بعض ذلك الحراك الدمويّ، ومن عايشوا تلك الفترة لاشكّ أنّهم يذكرونها،
حين تكشّف الغبار الدمويّ عن الجهة التي تغتال، وعُلِم مَن يهدّدون تحديداً بقصد تحريك الفتنة الطائفيّة المذهبيّة، صار بعضهم يأخذ احتياطاته بقدر المستطاع، وكان الخوف حقيقيّا، فقد اغتالوا قادة عسكريّين رغم وجود مرافَقة معهم، فماذا يفعل النّاس الذين يتحرّك معظمهم على قدميه، في تنقّلاته، وفي ذهابه إلى وظيفته، وقضاء حاجاته؟!!
قلت له ذات مرّة محذّرا: "أخي أبو وضَاح، أنت رأس الاعلام في هذه المدينة، وكما ترى من سياق الأمور، فأنت مُستهدَف، فخذْ حذرك جيّداً، فهؤلاء غدّارون، لئيمون"
قال بما يُشبه التسليم للأقدار: "وماذا أستطيع أن أفعل؟! أنا أتحرّك بواسطة هذه السيّارة، ولا بدّ من المجيء للعمل، وإصدار الجريدة"،
قلت: "هل لديك سلاح تستطيع الدّفاع به عن نفسك"؟!
قال:" لديّ مسدّس"، ومدّ يده إلى جيب السيارة، وأخرج مسدّسا موضوعا في غلاف جلديّ"،
قلت:" بربّك أهذه طريقة؟! ريثما تُخرج المسدّس، وتُلقّمه، يكون كلّ شيء قد انتهى"،
قال:" أصارحك؟ إنّني أفضّل ألف مرّة أنْ أُقتل مظلوماً على أن أكون ظالما"،
ذات ضحى، وكنتُ في مكتبي، كمدير لنادي المعلّمين، في الشارع الجنوبيّ الموازي لشارع الغوطة، رنّ جرس الهاتف، رفعتُ السمّاعة، وقلت: "ألو"، ففاجأني صوت يبكي بصوت عال، لصديق لم أعد أتذكّر اسمه، وقال لي وهو ينتحب: "لقد قتلوا أبو وضاح"، وأغلق السمّاعة، لعدّة دقائق أحسستُ أنّني قد ضيّعت الاتجاهات، وقد خرجتْ في جنازته جموع حاشدة،
أقيم لشهيدنا حفل أربعين في صالة الكندي، وكان حشدا مهيبا، وألقيتُ قصيدة طويلة رثيته فيها، وهي بعنوان "من الكلام إلى الدم"، ونُشرت فيما بعد في مجموعتي "عنود" الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1980،
رحم الله أبا وضّاح الشهيد فائق محمّد، الذي سمّيت إحدى المدارس باسمه، وأنا حين أعود بالذاكرة إلى بعض المقاطع فليس نكْأً للجراح، بل لأخذ العبرة لمن يريدها، فها نحن منذ تسع سنوات نقاتل ذلك الفكر الظلامي الظالم، الذي أوقد نارا كان من حصادها ذلك الخراب،
رحم الله شهداءنا، وأمدّنا بنصر منه لنتجاوز مناطق الحرائق المادية والمعنويّة،

العروبة في 28/10/2019

كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف