كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عبد الكريم الناعم: من الذّاكرة 82

نظلّ في قرية "البْويضة" أواخر عام 1954
تعرّفتُ فيمن تعرّفت في تلك القرية بشاب فارع الطويل، ممتلئ الجسم، يوحي بقوّة جسر، وأبوه من وجوه تلك القرية، وفي إحدى الجلسات سألني: "ألا تشرب"؟ وكنتُ عرفتُ أنّ أهل هذه القرية
لا يتناولون المشروبات الروحيّة، قلت متجاهلا: "هل يعيش أحد دون شرب، كيف لا أشرب، ها كأس الشاي أمامي، فضحك بحذر وقال: "ما قصدتُ هذا" وأشار بيده إشارة مَن يعبّ من (كأس)، قلت:" بلى أشرب"، قال:" لي صديق في هذه القرية، وأشار إلى قرية قريبة من قريته تقع إلى الجنوب الغربيّ منها، اسمها: "نَوى"، وتابع: "ما رأيك أن نذهب اليوم ونشرب عنده، أنت تعلم أنّ أهل قريتنا متشدّدون في هذا الأمر"، قلت:" كما تريد"، قال :" قُمْ"، وكانت الشمس مالت للغروب، ومشينا سيرا على الأقدام مدّة ساعة تقريبا، كما أقدّر الآن فوصلْنا مع أوّل غياب الشمس، فوجدنا صاحب البيت فوق سطح بيته يقوم ببعض الأعمال، وفور رؤيتنا رحّب بوجه ببشوش، فقال له رفيقي: "هب لديك "كِرْسنّه"؟ فأجابه: "موجود"، فسأله:" حمراء أم بيضاء"؟
فأجابه: "الاثنتان موجودتان، تفضّلوا"، يعني النّبيذ والعرق، وهبط عن السطح، وجلسنا في مضافة مرتّبة، ولم يطل الوقت حتى فُرشت صحون الطعام، والتفت إلى صديقي وقال له: "أحمر أم أبيض"؟ فقال: "أبيض"، ولم أنس حتى الآن بعد مرور هذه السنوات طعم ذلك الشراب، فقد كان سلسا وطيّب المذاق حتى لكأنّك تتجرّع لبناً ينحدر في الحلق، وامتدّت الجلسة حتى ما بعد منتصف الليل، وحين أردنا المغادرة، قال: "انتظروا قليلا"، وغاب فترة قصير وقال: "تفضّلوا" وإذ به قد هيّا عربة من تلك العربات التي كانت تستعمل للنقل في المنطقة الشرقيّة، وفرش أرضها بفراش، وحين رأى ذلك رفيقي حاول أن يقول شيئا فقال له: "ولا كلمة"، فركبْنا وأوصلَنا إلى "البْويضة"، يُقال إنّ طعام الكريم وشرابه يصلان إلى الجسم بليونة وعذوبة ويُسْر، وفرَح،
بعد أكثر من عشرة أيام، وكان الجوّ غائماً قليلا، وفيه رطوبة، ويُنذر بهطول أمطار ينتظرها في ذلك الوقت أبناءُ "الْجَفْتَلِكْ" ليفلحوا ويزرعوا، فلم يكن في تلك الديار إلاّ زراعة القمح والشعير، وبقيّة الحبوب، ويندر أن ترى فيها عرْقا أخضر، فهي جرداء مَرْداء، أمّا اليوم فقد تحوّلت إلى بساتين خضراء، يُزرع فيها اللّوز، والكرز، والدّالية، والفستق الحلبي، حتى لكأّنها لم تعرف تلك الجّرادة من قبل،
هنا لا بدّ من ذكر أنّ مَن كان يملك فدّاناً في "الجَفْتلكْ".. يعيش في بحبوحة، فقد كانت الأمطار تأتي باكرة، وفي فصل الشتاء تُروى الأرض، فتجود المحاصيل، وبتغيّر المُناخ، لجأ الناس إلى حفر الآبار، وإلى الزراعة الأخرى الأكثر تقدّماً، وتنوّعاً،.. قلت بعد عشرة أيام قال لي صديقي: "كيف رأيت صديقنا في "نَوى"، قلت: "عزّْ مَن لَفيت"، قال: "هل نذهب اليوم"؟ قلت: "أخشى أن نُثقل على الرجل"، قال ضاحكا: "يا رجل هذا لا يمرّ يوم عليه دون أن يكون في بيته ضيوف"، قلت: "أنت أدرى"، وكان ما جرى في المرّة السابقة، وقرب منتصف الليل، ولمّا أردنا المُغادرة، استمهلَنا صاحب البيت، فحلف عليه صديقي أنّنا لن نركب كما في المرّة السابقة، وخرجنا وقد بدأت أمطار رذاذ خفيفة، لم توحّل الطريق، وما أن قطعنا مسافة بعيدا عن "نوى"، حتى قال لي صديقي محذّرا: "لا تبعد عني في المشي"، قلت مستفسرا: "خير"، قال: "هناك ضبع يحوم حولنا"، وليس معنا سلاح، ولا ضوء كاشف،
وانا منذ وقت باكر في الحياة ما أكاد أتبيّن طريقي ليلا، ظننتُ للوهلة الأولى أنّه يمتحنني كابن مدينة، وبدأ يقول لي: "أنظر إنّه عن يميننا، والضبع لا يجرؤ على مهاجمة اثنين فما فوق، ولم أر شيئا، بيد أنّنا حين اقتربنا من القرية ارتفع عواء الكلاب عاليا، فهي تشمّ رائحة الضبع عن بعد، فتيقّنت من وجود ضبع، ولكنّ الله سلّم...
 
نشر في صحيفة العروة الالكترونيّة في 24/10/2020
 

م:

إطلاق اسم الروائي فارس زرزور على مدرج المركز الثقافي بالميدان
الهند كما أعرفها وأُحبها
ندوة عن بدر الدين الحامد شاعر العاصي
أبيّ حسن يُحاور هادي دانيال والنتاج كتابٌ في السيرة الغنية
أدونيس في عقْده العاشر... الحداثيُّ الأكثر شَغَباً
مـظـفـر الـنـواب.. الـكـلـمـة الـتـي يـبـقـى فـيـهـا
وقفة تكريمية للراحل الشاعر مظفر النواب بفرع اتحاد الكتاب العرب بدمشق
بعضُ قصائده منعت من المحيط إلى الخليج.. مظفر النواب يرحل وهو يُلقي الشعر كمن يغني
طه حسين... والشك
نتاج متنوع بين القصة والرواية والبحث الإعلامي للكاتبة ميساء نعامة
الشاعر بسام حمودة.. عندما تغني الفلسفة الإبداع الأدبي
الباحث عبد الرزاق الحمصي: أرشيف مكتبة إبلا يغطي تاريخ العالم القديم بأسره
الإعلان عن مسابقة النص المسرحي للموسم الثاني على التوالي
د. سعد الدين كليب والتجربة الجمالية
رواية بوح العشق لفيروز الشطآن ترصد حالات عاطفية صادقة