كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من الذّاكرة 91

الزّمن، كما أقدّره الان في نهاية سبعينات القرن الماضي، كنّا نسهر خمس ليال على الأقلّ من أيام الأسبوع، هذا إن لم يكن السهر يوميّاً، فلا حرب، ولا غلاء، ولا انتشار للفساد والسطو بهذه الطريقة التي تحاصرنا اليوم، وقبل هذا وبعده فقد كنّا ما نزال قريبين من عمر الشباب، ولهذا العمر خصوصيّته،
كان ثمن الفروج "البروتستد" خمساً وعشرين ليرة سوريّة، وثمن قنّينة "الميماس" ما يقرب من ذلك، أقول (ما يقرب) لأنني لا أثق بذاكرتي الرقميّة، ولعلّنا كنّا كثيري الشكوى من رداءة الزمن الذي نحن فيه، ربّما لأنّنا كنّا نطمح، ربّما، إلى زمن قد لا يتحقّق إلاّ في الخيال، فإذا اقترب من الواقع خلعْنا عليه الكثير من مثاليّات ما نتوق إليه، وهكذا لا تُعرف قيمة بعض الأزمنة، إلاّ بعد أن تكون قد أصبحت مجرّد زمن في الذّاكرة،
في أحد الأحياء الشرقيّة التي نشأت بعد ستّينات القرن الماضي في حمص، والتي أتّسعتْ حتى صارت أضعاف أضعاف ما كانت عليه، ومعظم سكّان هذه الأحياء هم من الذين هجروا الأرياف إلى المدينة بحثاً عن حياة أفضل،.. في هذا الحيّ، التقينا في بيت أحد الأصدقاء بدعوة منه، ومُدّت لوازم الجلسة، وما كنّا نسهر دون أن نستحضر ذلك الغناء الريفيّ الحنون حتى الجرْح، أو نقتطف من ثمار ما حملتْه أشجار العراق من أحزان، وهي أكثر إغراقاً في الأسى، حتى لكأنّنا ونحن في قمّة النّشوة كنّا لا ننسى ذلك الرفيق الحميم (الحزن)، نصفّق ونحن حزانى، ونرقص وفي الأعماق حزن، وفي أسارير وجوهنا من البهجة ما لا يتساوق مع تلك الأعماق، وأنا هنا أتحدّث عمّن أنا مثلهم في تكوينهم الجوّاني، وكان لنا صديق غجريّ، لا أعرف أين هو الآن، بعد أن شرّدت حرب الدواعش والنّواهش ما شرّدت، أنيق الملبس، أنيس المعشر، وكان إذا أمسك بآلة العود أخذ بمجامع قلوبنا، وهو يعزف ولا يغنّي، يلتزم بآداب الجلسة التزاماً قلّما يجيده غير أمثاله، وما تكاد تكون لنا سهرة في حال غيابه، فهو الذي يُجري المياه في تلك السواقي الجافّة، فيُوقظ فينا شهوة الحنين للمياه، ونادراً ما كنّا نغادر البيت الذي نُدعى إليه قبل بزوغ الفجر، وكم من سهرة خرجنا منها لنجد أنّ المُبَكّرين على أعمالهم قد بدؤوا يدلفون إلى الشوارع،
تُرى هل كنّا نستعيد بعض ملامح ما نشأنا عليه في طفولتنا ويفاعنا، ونلوّنه بألوان أحلامنا، ونستقبل به وجهةً بعرض تلك السماوات دون أن نحدّد إل أين نريد أن نصل؟!! ربّما كنّا نشعر بطريقة غامضة أنّ علينا أن نسير، نسير فقط،
الأعراس والدّبكات التي عرفناها في الطفولة اختفت حتى في الأرياف، إلاّ فيما ندر، ذهبتْ بكلّ بهائها وألوانها، وفروسيّتها، ولم يعدْ يرتفع مساءً في القرية دخان التّنانير، وغابت أواخر الطيور خلف تلك التّلال، كان الريف كلّه ينزلق إلى عوالم جديدة،
كان أكثرنا انشراحاً، وانبساطاً في تلك الليلة، صديقنا أبو عدنان، فما يكاد يجلس حتى يقوم إلى منتصف الغرفة، ويقف، ويصفّق، ويرقص، ويضحك ضحكاً عالياً ويقول: "وْلِكْ انبسطوا.. انبسطو.. والله العظيم بَدّي أموت" ويضحك بانشراح لافت، وكان كالحصان لا يشكو من علّة، وكنّا نتهامس فنقول:" لقد أخذ منه الشراب، وما كان فينا مَن يصل به الشراب مرحلة العرْبدة، فقد كنّا جميعا ممّن يحرص على آداب ذلك البساط، ومتى شعر أنّ الشراب قد بلغ حدّاً فإنّه يتوقّف،
مع انبلاج الفجر غادرْنا ذلك البيت، وبعد يومين كنتُ في منتصف المدينة في طريقي إلى مقهى "الهلال"، فصادفتُ أحد أصحابنا الذين كانوا معنا في تلك الليلة، وبعد المصافحة مباشرة قال لي: "هل سمعت بأبو عدنان"؟ قلت: "لا، إيش به"؟ قال: "البارحة توفّي"، نقزتُ في داخلي، وتوقّفتُ عند مقولة تتردّد بين الناس، وهي أن البعض يشعر بدنوّ الموت منه بطريقة ما، كيف لا أعرف، ولكنّ هذا أمر تكرّر مع آخرين...
 
...................................
عبد الكريم الناعم
نشر في صحيفة العروبة الالكترونيّة، زاوية" تحيّة الصباح" في 9/1/2021
جولة في الإعراب
الكاتب حسن م. يوسف.. هذا ماقاله للرئيس المخلوع وأنا شاهد!
بعد فوزه بجائزة كتارا للرواية العربية الروائي ربيع فريد مرشد: لم يكن في ذهني أن أصبح كاتِباً
في رحاب الغة العربية.. بيانها وسحرها
شخصيّات من طرطوس.. لقاء مع الباحث الاقتصادي عبد اللطيف عباس شعبان
د. ثائر عودة الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله
المفكر والشاعر والمترجم عيسى مخلوف ضيفا على كلية الآداب بنمسيك
أدونيس المنتمي إلى السؤال
في رحاب اللغة العربية.. سحرها وبيانها
رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا يفتتح عمله بفصل أعضاء ليسوا في الاتحاد!
على سيرة الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيسا لاتحاد الكتاب العرب
بمناسبة مرور 8 سنوات على رحيل العلّامة الزاوي.. أقوال له عن الصهيونية مقتبسة من بعض كتبه
عبد الكريم أبا زيد بين مأساة الحياة وملهاته..
أمنيات
كلمات في الذكرى الثامنة لرحيل الأديب الدكتور أحمد عمران الزاوي: مؤلفاته الأربعون انصبَّت على الدفاع عن العروبة والاسلام