كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن هيبة الموت!

يتكاثرُ الموتُ أخيراً. يتناسلُ فينا فلمَ لا يكونُ تكاثرُ الانعدامِ ميلاداً لحياةٍ أخرى؛ حياة ما بعد الموت؟! مهرجانٌ يُقامُ في الطرف الآخر من العالم، فلم يعُد رحيلُ الملتحقينَ مؤلماً كما كان. ربما اليوم في ظروفِ الأرض الاستثنائية هذه، صار شيّقاً الانضمام إلى ذاك المهرجان! لعلّ هناكَ ما هو أجملُ وأكثر راحةً وسلاماً! .... أقولُ ربما!

الموت، هذا الحدث الجليل الذي ألهمَ الفلاسفة والكتاب والشعراء والفنانين فكان التعبير عن قلقهم من مجهوليته من خلال السفر في الوجود والمطلق، وكل ما قد يتخطّى الموجود ويتجاوزه إلى الواجد أو واجب الوجود، أو كان من خلال المؤلفات الأدبية واللوحات التشكيلية. هذه الحادثة الغامضة بالنسبة إلى العقل البشري، والتي إن حفرنا في عمق الآداب والفنون والعلوم والفلسفات، وجدنا أنها الضالّة الماكثة خلف كلّ أفعال الإنسان، موضوع بحثه والشبح الذي يفرُّ منه منذ ولادته حتى استسلامه له. يقول بول فاليري في قصيدة المزمور:
في البدءِ كانت المفاجأة
ثم تلاها النقيض
وبعده ظهرَ التذبذب
ومعه التوزيع
وتلاه الصفاء
وكان هو النهاية.
ويظهرُ في قصيدته أنّ الميلاد يشكّل مفاجأةً أو صدمةً، يعيشُ الإنسان بعد تلك اللحظة عمراً من التذبذب بين المتناقضات، فتجاذبته تفاصيل الحياة ووزّعته حتى لاذ بالصفاء، وانتهى. يقول فاليري في «إفاقة»: لا يدري المرء أين يفرّ.
اختلفت التعابير بين الفلاسفة والشعراء، وربما ليس حصراً بين هاتين الفئتين، سوى أنّ أتباع الفلسفة والشعر هم أكثر من تعمّقَ بشكلٍ مرهِق حدّ الفناء في فكرة الموت عرفوا أم لم يعرفوا ذلك. أما الأنبياء والرسل والأولياء، فالوحيُ والصفاء المعنوي ومراتب الكمال التي يبلغونها، تجعل مقاربتهم أقربَ إلى العِبر والتبليغ بالسنن الإلهية التي يحتاج إليها الإنسان لكي يعيش حياةً هانئة، زاخرة بالرضى والتسليم.
أما طائفة البشر المبدعين الذين تخبّطوا في بحثهم خلف معاني هذه الظلمة التي تخطفُ أبصارَ البشر بنورِها الساطع، فقد تركوا على امتداد التاريخ إرثاً من النظريات والاحتمالات أقصى ما تفعله ربما هو ترويض العقل البشري بشكلٍ مؤقتٍ ومتقطع. هو نوعٌ من الخَلق المقارِع للموت. لقد بعثَ دوستويفسكي برسائلِه إلى القارئ من تحت الأرض وأغرقَه في عمقِ عذاباتِه التي مثلت عذابات البشرية كلها، فكانت الحادثة التي شكّلت منعطفَ حياتِه الكبير- نجاتِه من الإعدام في اللحظة الأخيرة- بمثابة الوقود لذلك التعاطف مع الإنسان والشعور بأعمق حدوس المرء في أحلكِ لحظاتِ عمره.
الظمأ الأنطولوجي، الاغتراب العرفاني، النبوت الفلسفي، العزلة، الوحدة، العطش المعرفي، كلها ذرائع اصطلاحية تحملُ دلالةَ الخوف من الواقع؛ واقع الفناء، واقع سيرورتنا باتجاه النهاية التي لم ينجُ منها كائن؛ أكان نبياً أو مارقاً!
شكّلَ الموت لحظةً بارزةً في أدب رولان بارت الذي خاضَ تجربةَ الفَقدِ فكانت يومياتُ حِدادِه من أعلى النصوص إحساساً بالحزن والشفقة مع النوع البشري ومع حقّه بالموت.
وقاومَ البنيويونَ الموت من دون أن يشعروا ربما حيث أحيلَ النصُّ بعد موتِ الكاتب إلى القارئ ولا يعودُ ملكاً للكاتب. هكذا يُخلّدُ النصّ بين يدي القراء عبر الأزمان المختلفة، فدريدا يقول إنّ التأويلات لا تنتهي. ويقول بارت نفسُه إنّ في النصّ لذةً لا تموت.
وأماتَ فوكو الإنسان لكي يخلّدَهُ من دونَ أن يلتفت. فتلك اللحظة التي خلّص فيها الإنسان من قلق المطلق والمجهول وكهوف الميتافيزيقا، في الواقع أدخله حدّ الإنهاك في لعبة الأنساق، فما عادَ لديه الوقت ليفكرَ بالموت ويقلقَ بشأنِ وجوده، فلقد ماتَ منذ بدء الحداثة الأولى، وصار لِزاماً عليه أن يجاريَ لعبةَ اللغة والشبكة المعرفية من أجل حلّ أزمة الفكر.
الموت؛ محرابُ الزاهدينَ ووحيُ الشهداء، صومعةُ قمحِ الفقراء التي تختزنُ أحلامَهم الكبيرة أرغفةً لمائدةِ الآخرة.
الموت؛ لحظةُ قهرِ الملائكِ وشهقةِ الرسُلِ ورهبةِ السماء. إلهامُ ثرثراتِ ما قبل الرحيل، وبطانةُ قناعِ السعادة، مقصلةُ متعلّقاتِ القلبِ ومقصُّ الأماني.
في كلّ مسعى من الإنسان لرسم ملامحَ تشبهُ الموت، إخفاقٌ مجهولُ المعالم، مجهوليّةَ العدم. هل هو عدمٌ بالانتظار؟ سؤالٌ يطرحُه حتى أكثرُ الناسِ إيماناً. فمثلما لا يذكر المرءُ نفسَه قبلَ الانوجاد (حدث الولادة) كذلك فإنه لا يمكن أن يتصوّرَ إلى أينَ هو ماضٍ ما بعدَ الانفناء أو الفناء (حدث الموت). برهةٌ زمنيةٌ أو تزمّنٌ وتعيّنٌ ثم صيرورةٌ لا مفرّ من حتميتها. وما بين الذاكرة والتصوّر، يعيشُ الإنسانُ لحظةَ الحاضر بكلّ ما فيها من عواطف ومخيالات.
تقولُ جنّيّةُ لوركا:
خذ خاتمَ الزواج
الذي كان في أيدي أجدادِك
مئةُ يدٍ تحت التراب
تفتقدُه الآن.
فهل يشعرُ الأموات؟ وهل ينتابُهم الحنينُ إلى الحياة؟ أم أنهم السعداء الذين سبقونا إلى الخلاص الآمن، إلى صدرِ الطينِ الدافئ بعطره الأزليّ في تأثيره في مشامّنا؟
هو الموت، توأمُ الحياةِ اللصيق. وادي خلاصِ الماكثينَ على ضفاف المخاطر، انعتاقُ أجنحةِ الروح وعودة الجسدِ إلى إناءِ الرحمن... إلى الصلصالِ الأول، ما قبلَ آدمَ والخطيئة!
مريم ميرزاده-الأخبار اللبنانية
كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف