كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقٌّ لن يمُوت..

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

دلف "أبو فارس" إلى صحن الدَّار مُستعجلاً، مُدْلَهِمَّ الوجه، مَهمُومَ الرُّوحِ، وقد امتشقَ بندقيتَه "الإنكليزيَّة" القديمة، وصَفَّ "الخرطوش"، منادياً: "يا أبَا ناجي"..

كان الوقتُ عصراً، وكلُّ ما في القريَةِ يشعُرُ بخطرٍ داهمٍ جسيم، بينما أخذتْ سُحُبٌ ربيعيَّة خفيفة تميِّزُ هذا الجوَّ من هذه الفترة من العام، بالهُطُول، مخفِّفَةً من وطأةِ هذا الشُّعور...

كانت قد شَهِدَتْ البلدة في الأوقات السَّابقة، وعلى فتَراتٍ من السِّنين، مثلَ مُعظمِ بلداتِ الجَليل، حَملةَ مُصادراتٍ للأراضي من قِبَلِ سُلطاتِ الاحتلال، واندلعتْ المُواجَهاتُ قبلَ ذلكَ مراتٍ كثيرةً، لكنْ هذه المرَّةُ هيَ الأشدُّ... وباتَ الخطرُ واضحاً ومُحْدِقاً أكثرَ من ذي قبل...

إنَّها الأرضُ التي وُلِدَ فيها، وعاشَ عليها، وزرَعَهَا وغرسَها وأكلَ من ثَمَرها، وترابُها جُبِلَ بعرقِهِ ودمِهِ، وهي التي باتَتْ على مَرِّ الزَّمانِ رمزَ الأبِ والأمِّ، عنوانَ الهويَّة، ومُعادِلَ الرُّوح...

كلُّ حبَّة ترابٍ، وكلُّ غرسةٍ، من بساتين الليمُون، وبيَّاراتِ البرتقال، تشهدُ على يدِ زارعِها وهُويَّته، فكيفَ تصيرُ لغيره وبالقوة والسِّلاح؟  كيف سَيَطَؤُها الغرباء، بل كيفَ سيسمَحُ لغيره بأنْ يمشي عليها يوماً...

  • - "على جثتي..."  قالها... بتصميمٍ نادرٍ، وعزمٍ أكيدٍ وامتشقَ بندقيَّتَه، سلاحَهُ الوحيدَ، وضفرَ حزامَ الطَّلقات، وحقيبة الذَّخيرة، وخرجَ من داره مُسرعاً لا يلوي على شيء...

كان أبو ناجي منشغلاً بتعشيبِ الأرض، وتهيئتها لغرسِ شُجيرات أخرى، حينما تناهى إليهِ صوتُ "أبي فارس"، كالمخنوقِ في وادٍ غيرٍ ذي زَرع ...

تركَ مِعوَلَهُ، وعادَ إلى بيته، ليرى جموعَ الفلاحين من أهل البلدة قد قصدوه، بيته الذي باتَ منارةً لهم بعدَ استشهادِ ابنهِ البِكرِ في المواجهاتِ الأخيرة مع سلطات الاحتلال، مانعاً إيَّاهم من دخُول أرض أبيه وأجداده...

وأثناء مراسمِ التَّشييع الذي تحوَّل فيما بعدُ إلى مظاهرة عمَّت شوارع البلدة، بايع الأهالي "أبا ناجي" زعيما لحركتهم ضد قوات الاحتلال، وألقوا بكل مستندات ووثائق أراضيهم في يد ابنه الثاني سعيد، المحامي، لينتزعها بقوَّة القضاء ويدافعَ عنها بقوَّة الحقِّ، وتركوا لهم أضعفَ الإيمان وهي عزيمتهم التي لاتلين، وبنادقهم الفرديَّة، وأسلحتهم الخفيفة ليواجهوا بها كل من يعتدي على الأرض...

  • - تفضل يا "أبا فارس"... ما الأمر وكأنَّ على رأسك الطير...
  • - يبدو أنك لم تسمع الراديو اليوم...
  • - ماذا هناك....
  • - إنه يوم النكبة.. لقد اندلعت المظاهرات في كل أنحاء فلسطين ضد القرار الظالم في الاستيلاء على الأراضي وضمِّها... عدد كبير من شعبنا شرِّد خارجَ دياره خلال الحرب الإسرائيلية – العربية، ونَزَحَ ضمن الدَّاخل الفلسطيني وطُرِدَ و َهرَبَ أكثرُ من 700.000 فلسطينياً، فضلاً عن تدمير مئات من القرى الفلسطينية ...
  • - هي الحرب إذا يا "أبا فارس"

وأطلق نظرة كالسَّهمِ إلى البعيد، هناك فوق المدى، مُستشعراً بوادرَ ثورة لقضية عادلة لن تموت، ولن تنطفئ حتى التحرير الكامل وعودة الحقوق، نظرة تختزن في روحه جرحاً بعمق المأساة التي باتت تكبر وتتجذر يوماً بعد يوم...

وعقبَ صلاة العصر، انفجرت الحشود الغاضبة في كل بقاع البلدة متوجِّهينَ إلى الثكنة العسكرية الإسرائيلية، وهاجموها ودمَّرُوها، معمِّدين ذلكَ الغضبَ بدماءٍ زكية طاهرة سالت على أرض الآباء والأجداد، بينما راحت "أم ناجي" ولفيف من نساء القرية، يرفعن العلم العزيز فوق دار القرية، العلم الذي اشتغلته ونسجته أرواحهن، والذي كل خيط فيه يحكي قصة بطولة لآلاف من الشهداء الذين قضوا في سبيل القضية...

كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف