كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حكاية طنجاوية: العسل والمرارة للطاهر بن جلون

تتصدر حملة “me too” (أنا أيضا) المشهد العالمي على الرغم من مرور سنوات على انطلاقها، بل إنها تنوّع من جلدها وتصوب أهدافها على قضايا أكثر دقة كما تتكيف مع الواقع الثقافي لمختلف البلدان، تماما كحملة “اكشف خنزيرك” (balance ton porc) الفرنسية والتي أطلقتها صحفية فرنسية سنة 2018 وكان الهدف منها فضح المتحرشين والمغتصبين في جميع المجالات حتى الأكثر رقيا وتلك التي تحيط بها هالة التوقير وتفرض نوعا من “الأومرتا” أو السكوت والانصياع الجماعي داخلها.
وفي الوقت الذي تجدد فيه هذه الحملة من جلدها وتوجه سهامها نحو مشكلات الاعتداءات الجنسية داخل العائلة، يحاول الروائي والشاعر المغربي الطاهر بن جلون عضو الأكاديمية الفرنسية وعضو لجنة جائزة “الغونكور” الفرنسية المرموقة في روايته الأخيرة “العسل والمرارة” التي صدرت مطلع السنة الجارية عن دار نشر “غاليمار” الفرنسية مساءلة قضية الاغتصاب في المجتمع المغربي مقدما صورة قاتمة، الطاهر غلاف الروايةموجّها سهام نقده للبنية الاجتماعية الأبوية وسلطتها إضافة إلى كل أشكال الفساد التي تعمل على طمس ملامح الجمال داخل سرد يتّسم بالواقعية الشديدة.
يحكي “العسل والمرارة” قصة عائلة طنجاوية عادية متكونة بالأساس من الأب “مراد” وزوجته مليكة اللذان يسكنان قبو منزلهما الكبير، على الأقل تلك هي المعطيات الثلاثة التي ستكمل مع القارئ حتى نهاية الرواية، يتسلّى بن جلون بملاعبة القارئ وهو يسرد ببراعة تفاصيل قصته، و يؤثث لعالمها، يوازي في كثير من المقاطع كما في أعمال سابقة بين الحياة في المغرب والحياة داخل ألف ليلة وليلة منتقلا من حكاية إلى أخرى راسما مشاهد اليومي الطنجاوي على مر عقود، لنكتشف حياة مغربية تحكمها عادات وتقاليد تأبى الاندثار.
يطبخ بن جلون سرده على نار هادئة وكذا قارئه وهو يتلاعب بمنسوب التشويق لديه محاولا تقديم تفسير لتعاسة أبطاله. يحيك بن جلون خيوط الرواية ببراعة حتى يصل إلى أهم أحداث الرواية وهو جريمة الاغتصاب التي تطال المراهقة الصغيرة سامية، ويتبعها انتحارها، ما اعتبرته عائلتها بمثابة جرم مزدوج في حق مكانة أفرادها المجتمعية، خصوصا الأم “مليكة” التي يحمّلها الكاتب مسؤولية حراسة معبد العادات والتقاليد، “مليكة” المتملكة – كما في تقليد الكتابة الروائية المغاربية عموما – تلامس الفصام في أحايين كثيرة، مجرمة في حق نفسها، عائلتها والمجتمع، فهي التي تقرر حذف جزء كبير من تاريخ عائلتها – قضية اغتصاب ابنتها و انتحارها -، على الرغم من أن سامية المراهقة تمتعت بشخصية هادئة ومسالمة، عاشت على القراءات وكتابة الشعر الذي قادها إلى حتفها حين ركضت خلف حلمها في رؤية نصوصها منشورة على صفحات إحدى الجرائد كما أصحاب تلك النصوص الذين عشقتهم، وكانوا لها بمثابة النافذة نحو عالم أفضل من واقعها الذي تضبط إيقاعه خصومات أبويها وتسلط أمها.
التقت برجل خمسيني يلقبه الكاتب بـ”الخنزير” جرها إلى بيته ليعدل لها نصا وهو ينصب لها فخا، اغتصبها بعد أن خدّرها، إهانة ضاعفها الغضب ولم تتمكن المراهقة الهادئة من تحملها فقررت الانتحار اختناقا بالغاز. لم يحزر أيّ من أفراد العائلة السبب الحقيقي لموت ابنتهم وطبعا تبادل الأب والأم الاتهامات بالتقصير، ليكتشفا بعد مدة مذكرة الفتاة ويعيا أن ابنتهما قد انتحرت ما يجعلهما يحاولان طمر هذا الماضي وكل الذكريات التي ارتبطت به، يهجران بيتهما الكبير الذي بناه الأب بمال الرشى التي تلقاها على مر سنوات طوال بتشجيع من زوجته وزملائه، ويتحولان إلى قبوه، كما يحاولان أن يطمرا ذكرى ابنتهما بقرار من الأم طبعا، فلا يأتي أحد على ذكر اسمها.
رواية بن جلون التي تجري أحداثها مطلع الألفية الثانية متعددة الأصوات لا نقرأ الحكاية مرة واحدة، بل مرات على لسان كل شخصية من شخوصها، حيث مكّن الأصوات النسائية من القدرة على الكلام والسرد حتى بعد موتها فتروي “سامية” قصة انتحارها وكذا تفعل “مليكة” وكأن للنساء وحدهن القدرة على حفظ الذاكرة الجمعية. يضاعف بن جلون من براعته وهو يخترع شخصية “فياد” الموريتاني الحاصل على شهادة الدكتوراه، الذي يعاني أبشع أنواع التفرقة العنصرية، ترق لحاله “مليكة” وتجعل منه خادما في بيتها ليلعب دورا في جعل حياتها وزوجها أكثر هدوءًا بعد أن هرب ولداها من براثن حياة أسرية أشبه بالجحيم. على هامش سيرة “سر سامية” أو “قصة عائلة مليكة ومراد” يحكي بن جلون قصة طنجة وتطورها الاجتماعي، انتشار الإسلام السياسي بها، يحكي ماضيها الثقافي وكيف تغيرت وسيطر التشدد عليها.
يغرق بن جلون في السرد الواقعي ولا يعطي آمالا زائفة فلا “me too” أو “balance ton porc” لنصرة “سامية” ومثيلاتها في ظل مصادرة صوتها وأصوات جميع النساء من طرف نظام أبوي تحرس قلاعه نسوة أيضا. يخلق الكاتب أعذارا لكل شخوصه، لا أبطال لديه كلهم بشر، مزيج من الخير والشر قد يطغى أحدهما على الآخر ولكنهم كلهم خيرون بقدر ما هم أشرار، ضحايا وجلادون، مزيج من “العسل والمرارة”.

غادة بوشحيط

مجلة الجديد  الجزائرية

 

جولة في الإعراب
الكاتب حسن م. يوسف.. هذا ماقاله للرئيس المخلوع وأنا شاهد!
بعد فوزه بجائزة كتارا للرواية العربية الروائي ربيع فريد مرشد: لم يكن في ذهني أن أصبح كاتِباً
في رحاب الغة العربية.. بيانها وسحرها
شخصيّات من طرطوس.. لقاء مع الباحث الاقتصادي عبد اللطيف عباس شعبان
د. ثائر عودة الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله
المفكر والشاعر والمترجم عيسى مخلوف ضيفا على كلية الآداب بنمسيك
أدونيس المنتمي إلى السؤال
في رحاب اللغة العربية.. سحرها وبيانها
رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا يفتتح عمله بفصل أعضاء ليسوا في الاتحاد!
على سيرة الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيسا لاتحاد الكتاب العرب
بمناسبة مرور 8 سنوات على رحيل العلّامة الزاوي.. أقوال له عن الصهيونية مقتبسة من بعض كتبه
عبد الكريم أبا زيد بين مأساة الحياة وملهاته..
أمنيات
كلمات في الذكرى الثامنة لرحيل الأديب الدكتور أحمد عمران الزاوي: مؤلفاته الأربعون انصبَّت على الدفاع عن العروبة والاسلام