كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بعض من حياة "مارينا تسيفيتايفا" حياة عصر بأكمله.. و بعض شعرها كناية عن إبداع فريد لا يموت

مفيد عيسى أحمد - خاص فينكس: 

يقول الكاتب و المخرج السينمائي و الممثل الروسي (فاسيلي شوكشين): "ثلاثة أشياء يجب أن تعرفهم عن الإنسان: كيف وُلد؛ كيف تزوّج؛ و كيف مات". هي أشياء عرفناها عن (مارينا تسيفيتايفا) من خلال كتاب (مارينا تسيفيتايفا؛ بعض حياة و شعر) الصادر عن دار التكوين عام 2020 بتقديم و ترجمة الدكتور (نوفل نيّوف).

يختلف ميلاد تسيفيتايفا عن غيرها من الناس العاديين، فهي كأي فنان و أديب؛ تولد مرتين؛ مرة ولادة بيولوجية و أخرى فنية؛ و هي ولادتها كشاعرة.

الولادة الأولى كانت في 26 ديسمبر عام 1892، أما الولادة الثانية فقد حدثت مع صدور مجموعتها الأولى "ألبوم المساء" في عام 1910 و لم يتجاوز عمرها حينذاك السابعة عشرة.مارينا 2

عاشت تسفيتايفا حياةً قصيرة لم تتجاوز 49 عاماً، لكنها كان حياة زاخرة بأحداث دراماتيكية شخصية، تمفصلت في أغلبها على الأحداث العامة الكبيرة التي  جرت خلال هذه الأعوام.

فقد عايشت ماريننا أحداثاً سياسية كبرى على الصعيد الروسي و العالمي، منها ثورة 1905 الفاشلة، و ثورة 1917 البلشفية التي أدت إلى التحول الروسي الكبير نحو الشيوعية، و الذي انتهى بقيام الاتحاد السوفيتي. و على الصعيد العالمي عايشت أحداث الحرب العالمية الأولى و الثانية.

لم تكن حيادية فيما يتعلق بهذه الأحداث،  حيث أخذت جانب المناشفة في الثورتين الروسيتين، و زوجها كان ضابطاً مع البيض، هذا ما انعكس على حياتها الشخصية، حيث اضطررت إلى مغادرة روسيا كمهاجرة إلى عدة دول، عانت فيها الفقر و عدم الاستقرار، كانت حياتها قلقة دائماً.

كانت مارينا شخصية إشكالية،  ببنيتها النفسية القلقة و المضطربة، تميل للتمرد من صغرها، حادة في مواقفها، بدأ ذلك من المدرسة، حيث لم تكن تلتزم بالتعليمات و تستهتر بها، و قد ردت على مديرة المدرسة التي كانت توبخها بسبب ذلك قائلة: "لا يقوّم الأحدب سوى القبر، لا تحاولي إقناعي لا أخاف تحذيراتك و تهديداتك." يعبّر هذا الرد عن النزوع الطاغي لتكوين الشخصية المستقلة و لفعل ما تريد، رغم ما يترتب على ذك من خسائر  اعتادت عليها مارينا فيما بعد، لكنها هذا الاعتياد لم يعفها من الألم و من الهزيمة النفسية في النهاية، لكن في المقابل و قد يكون هذا النزوع أساساً للتميز الشعري.

لم ينعكس قلق مارينا و عدم استقرارها الشخصي على جرأتها العالية إلى حد التهور، أو قدرتها على اتخاذ القرار، فهناك أحداث عديدة في حياتها كان تصرفها حيالها غريباً صادماً، كموت ابنتها (إيرينا) و هي لم تبلغ الثالثة، في مأوى للأطفال جراء الجوع و الضعف، حيث ادعت مارينا بأنها أنقذت طفلتها الأخرى، مفضلةً إياها على أختها و قد قالت ذلك صراحة: "فلتعرفي أني أنقذتك أنت.." قول و تصرف ممجوج من قبل الغالبية، لكننا لم نعش قسوة تلك الأيام التي عاشتها، و لا قهر الظروف التي مرت بها، ربما كنا وجدنا ذلك ضرورياً، و لا بد من المفاضلة بين حياة و أخرى.

تبين حادثة زواج مارينا أنها كانت ذات ترجيع قريب، تؤمن بالإلهام حتى في مجريات الحياة العادية، فقد اختارت زوجها  بأسلوب غريب؛ كانت تبحث عن حصى ملونة على شاطئ البحر، و تقدّم فتى و عرض عليها  المساعدة، وافقت على ذلك و قالت في نفسها "إذا أتى هذا الفتى بالحصى التي أريدها سأتزوجه" و كان ذلك.

و مواقف مارينا السياسية لم تكن أقل جرأةً، بدءاً من موقفها من الشيوعيين، إلى ولعها بنابليون الذي وضعته في مصاف القداسة، و تأييدها لإلمانيا و إعجابها بها وهي عدوة بلدها. 

خيباتها كانت كثيرة: العاطفية نتيجة العلاقات التي أقامتها خارج الزواج؛ إلى خيبتها من زوجها و ابنتها، ثم خيبتها من الصحافة و الوسط الأدبي، و خيباتها السياسية و الاقتصادية، ثم خيبتها في النهاية من ابنها.

لا يقل شعر تسفيتايفا فرادةً عن شخصيتها، فقد تميّز بروح جديدة جعلته متميزاً، وسط الإبداع الشعري السائد حينذاك، الذي كان يقوم عليه ما يسمى بشعراء “العصر الفضي” الروسي و كان من أهم شعرائه: أندريه بيلي وفاليري بريوسوف ،أنا أخماتوفا و زوجها غوميلوف، بوريس باسترناك وسيرغي يسينين وفلاديمير ماياكوفسكي، وغيرهم...مارينا

يتسم شعرها بشحنة انفعالية عالية، تتوارى أحياناً و تبرز في أحيان بشكل حاد، تتلخص رؤيتها للشعر في حوار لها مع باسترناك، فقد كتب لها قائلاً : ”لا يعدّ الشعر الفعل الأنجع في زمن الحروب والثورات الذي يتطلب مؤرّخاً أو كاتباً ملحميّاً.”، فكتبت مارينا له: ”إنّي لا أفهم عزمك على هجر الشعر. فماذا بعد؟ هل تلقي بنفسك عن جسر في نهر موسكو؟ إن الشعر يا صديقي الغالي كالحبّ، يلازمك إلى أن يهجرك هو، فأنت عبد له”.

فالشاعر ليس مخيراً، و لا مهرب له من أن يكتب الشعر، إن كان ذو فائدة أم لا.

أتى موت تسيفيتايفا دراماتيكياً كما حياتها، فقد انتحرت بأن شنقت نفسها بحبل، كان باسترناك قد أعطاها إياه لحزم أمتعتها، فعلت ذلك بعد أن "فقدت كل غال على القلب: زوجها و ابنتها، أختها و أصدقاءها.. ووطنها" 

كتبت عدة رسائل قبل أن تنتحر، رسالة لابنها تقول في نهايتها "أبلغ والدك و آليا – إذا رأيتهما – أني أحببتهما حتى آخر دقيقة، و لتوضح لهما أني وصلت إلى طريق مسدود"، كما تركت رسالة إلى الكتاب توصيهم فيها بابنها "مور" و بعدد من مخطوطاتها تركتها في صندوق. 

تسيفيتايفا التي وُلدت مرتين، ماتت لمرة واحدة... فقد ماتت بيولوجيا و بقيت خالدة إبداعياً.. فموت المبدع ليس كموت أي كان أيضاً.

 

 

جولة في الإعراب
الكاتب حسن م. يوسف.. هذا ماقاله للرئيس المخلوع وأنا شاهد!
بعد فوزه بجائزة كتارا للرواية العربية الروائي ربيع فريد مرشد: لم يكن في ذهني أن أصبح كاتِباً
في رحاب الغة العربية.. بيانها وسحرها
شخصيّات من طرطوس.. لقاء مع الباحث الاقتصادي عبد اللطيف عباس شعبان
د. ثائر عودة الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله
المفكر والشاعر والمترجم عيسى مخلوف ضيفا على كلية الآداب بنمسيك
أدونيس المنتمي إلى السؤال
في رحاب اللغة العربية.. سحرها وبيانها
رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا يفتتح عمله بفصل أعضاء ليسوا في الاتحاد!
على سيرة الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيسا لاتحاد الكتاب العرب
بمناسبة مرور 8 سنوات على رحيل العلّامة الزاوي.. أقوال له عن الصهيونية مقتبسة من بعض كتبه
عبد الكريم أبا زيد بين مأساة الحياة وملهاته..
أمنيات
كلمات في الذكرى الثامنة لرحيل الأديب الدكتور أحمد عمران الزاوي: مؤلفاته الأربعون انصبَّت على الدفاع عن العروبة والاسلام