كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أبو نُوَاس

محسن سلامة- فينكس:

إن كان أبو نواس قد جاهر بعض الأحيان بالمجون، فذلك لأنّ الشاعر صدى مجتمعه.
إنّ ماعُرف عن أبي نُوَاس من علم، وفقه، وسَعَة اطّلاع في معرفة الشريعة، و الدين، وأصول اللغة والشعر، وفهم عميق لأسرار الحياة، والجرأة في الخروج على السائد والمألوف في العادات والتقاليد والمفاهيم القديمة، كلّ هذه الأمور جعلته مميّزاً، وشخصيّة نادرة.
والده هانئ، رأى جلّنار التي صارت زوجته على شطّ نهرٍ من قرى الأهواز تعمل الصوف وتنسج الجوارب وتصنع الخيزران فعشقها وتزوجها، وكان الشاعر أبو نواس الولد البكر لهما.
وعندما أصبح الشاعر في الثلاثين من عمره قصد بادية بني أسد لمدّة سنة لاستكمال علومه، وكانت هذه القبيلة تذهب مذهب الشيعة، ثمّ عاد إلى بغداد ليرتبط بأسرةٍ وأولادٍ عزّ عليه أن يفارقهم، وهو القائل يخاطب أسرته عندما قرّر التوجّه إلى مصر:
تقول التي عن بيتها خفّ مركبي عزيزٌ علينا أن نراكَ تسيرُ
ذريني أُكَثِّرُ حاسديكِ برحلةٍ إلى بلدٍ فيه الخصيبُ أميرُ
قال في شأن المال عنده:
فإن دنّسَ المالُ عرضَ ذي شرفٍ فإنّ عِرضي يُصانُ بالمال
سُئِلَ الأصمعيّ مَنْ أشعر أهل زمانك؟ قال: أبو نُوَاس
وقال عنه المكيّ: ما زالت المعاني مدفونة في الأرض حتّى جاء أبو نواس واستخرجها.
وقال عنه محمّد بن عمر: حسد الشعراء جميعاً أبا نواس لميل الناس إليه وشهوتهم لمعاشرته، ولبعد صيته وظرف لسانه.
وإن كان جاهر بالمجون، إنّما أراد أن يعبّر عن مجتمعه، ويعكسه بصدق الفنّان، كان دمثاً، لطيفاً، ظريفاً، حلو المعشر، نديماً للخلفاء والوزراء، وسميراً لهم، قال ليحيى بن خالد البرمكيّ:
إنّي أنا الرجلُ الحكيمُ بطبعه ويزيد في علمي حكاية مَنْ حكا
أتتبّعُ الظرفاءَ أكتبُ عنهمُ كيما أحدّثَ مَنْ أحبُّ فيضحكا
كان متبرّماً بالأعراب، كشف عن حياتهم في سخرية وتهكّم، وهم الذين قال فيهم ربّ العالمين في سورة التوبة الآية 97: الأعرابُ أشدُّ كفراً ونفاقاً.
قال فيهم:
بلادٌ نبتُها عُشَرٌ وطَلْحٌ وأكثر صيدها ضَبُعٌ وذيبُ
ولا تأخذ عن الأعراب لهواً ولا عيشاً فعيشهمُ جديبُ
دافع نيكلسون عن أبي نواس، وقال: لم يكن شعوبيّاً، كان والده عربيّاً يمانيّاً حارب في صفوف الجيش الأمويّ بقيادة مروان بن محمّد آخر خلفاء بني أميّة.
كان الشاعر أبو نواس أبيّاً عزيز النفس، فلم يمدح أحداً من الخلفاء والوزراء، ولو شاء لمدح المأمون ولكنّه لم يفعل لسموّ نفسه، وهو الذي يقول:
لقد زادني تيهاً على الناس أنّني أرانيَ أغناهم، وإن كنتُ ذا فقرِ
فواللّه لا يُبدي لساني لَجاجَةً إلى أحدٍ حتّى أُغَيَّبَ في القبرِ
زادت موجة المجون في القرن الرابع الهجريّ، فكانت تعبيراً عن المرارة وخيبة أمل الشعراء نتيجة اختلال القيم في ذلك العصر.
وهذا أبو نواس يصوّر معاناته وآلامه يرمز فيها من خلال الصوم إلى كتم الأسرار:
منع الصوم العُقارا و زوى اللهوَ، فغارا
نشربُ الليلَ إلى الصبح صغاراً وكبارا
ونغنّي مااشتهيناه من الشعر جهارا
اسقني حتّى تراني أحسبُ الديكَ حِمارا
قد نجد في كثير من خمريّات أبي نواس بعداً روحيّاً وفكريّاً وفنيّاً عميق الصلة بحالات روحيّة نادرة المثال، فيقول:
ولمّا شربناها ودبّ دبيبُها إلى موطن الأسرار قلتُ لها قفي
مخافةَ أن يسطو عليَّ شعاعُها فيطلِعَ ندماني على سرّي الخفي
ورد في كتاب المناقب، كما ذكر محسن الأمين، أنّ أبا نواس كان متشيّعاً، وهو القائل:
متمسّكاً بمحمّدٍ وبآله إنّ الموفَّقَ مَنْ بهم يستعصِمُ
ثمّ الشفاعةُ من نبيّكَ أحمدٍ ثمّ الحمايةُ من عليٍّ أعلمُ
كان العفو والتسامح من أخلاق أبي نواس، وها هو يقول ردّاً على النظام شيخ المعتزلة:
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً حَفِظْتَ شيئاً وغابتْ عنكَ أشياءُ
لا تحظر العفوَ إن كنت امرأً حَرِجاً فإنّ حظركهُ في الدين إزراءُ
لطالما ارتدّ إلى نفسه يتلمّس فيها مافقده في مجتمعه من صدق وعفويّة، وها هو أبو نواس المطعون بخيانة الناس وحسدهم يقول:
يا نواسيُّ توقَّرْ وتجمَّلْ وتصبَّرْ
ساءَكَ الدهرُ بشيءٍ وبما سرَّكَ أكثرْ
ربّما تكون لنا جولة في خمريات أبي نواس فيما بعد. 
جولة في الإعراب
الكاتب حسن م. يوسف.. هذا ماقاله للرئيس المخلوع وأنا شاهد!
بعد فوزه بجائزة كتارا للرواية العربية الروائي ربيع فريد مرشد: لم يكن في ذهني أن أصبح كاتِباً
في رحاب الغة العربية.. بيانها وسحرها
شخصيّات من طرطوس.. لقاء مع الباحث الاقتصادي عبد اللطيف عباس شعبان
د. ثائر عودة الكتابة بعد "طوفان الأقصى" ليست كما كانت قبله
المفكر والشاعر والمترجم عيسى مخلوف ضيفا على كلية الآداب بنمسيك
أدونيس المنتمي إلى السؤال
في رحاب اللغة العربية.. سحرها وبيانها
رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا يفتتح عمله بفصل أعضاء ليسوا في الاتحاد!
على سيرة الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيسا لاتحاد الكتاب العرب
بمناسبة مرور 8 سنوات على رحيل العلّامة الزاوي.. أقوال له عن الصهيونية مقتبسة من بعض كتبه
عبد الكريم أبا زيد بين مأساة الحياة وملهاته..
أمنيات
كلمات في الذكرى الثامنة لرحيل الأديب الدكتور أحمد عمران الزاوي: مؤلفاته الأربعون انصبَّت على الدفاع عن العروبة والاسلام