كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قاسم عزّام: تجليات الترميز في قصيدة "تداعيات الجريمة" لعلي أحمد بوقرة

قاسم عزّام

تتناول هذه الدراسة قراءة نقدية شاملة لقصيدة "تداعيات الجريمة" للشاعر علي أحمد بوڨرة (الصورة)، من خلال تحليل سردي وتأويلي للخطاب الشعري، مع رصد الجماليات الفنية والدلالات الوجودية والفلسفية. تضع القصيدة الإنسان موضع المساءلة، انطلاقًا من رمزية قابيل وهابيل، في محاولة جريئة لنقد الطبيعة البشرية من خلال بنية شعرية مكثفة ومباشرة. ويُختتم البحث بتقييم انطباعي وكلمة إشادة بالشاعر على جرأته الفلسفية والتعبيرية.                                      1. مدخل إلى القصيدة: جدلية البدء والخطيئة
تنبني القصيدة على إعادة تأويل سردية التكوين الأولى في التاريخ البشري، وتحديدًا واقعة قتل قابيل لأخيه هابيل، لكنها لا تكتفي بسرد الواقعة، بل تقوم بتحويلها إلى منطلق نقدي جذري للطبيعة الإنسانية ذاتها. إذ يرى الشاعر أن انقطاع نسل هابيل – الضحية – يعني أن البشرية كلها هي في الأصل أبناء القاتل:
"هابيل لم ينجب قبل مصرعه أطفالًا / كلنا أبناء القاتل قابيل"
بهذا التأسيس، يخرج النص من إطار القصيدة الأخلاقية أو العظة الدينية إلى نص وجودي يمتحن الكينونة البشرية منذ لحظتها الأولى.
2. التحليل السردي: من الخطيئة الأولى إلى جغرافيا الدم المعاصر
يتطور النص شعريًا على شكل تصعيد سردي لا يُراكم الأحداث بقدر ما يُراكم الدلالات الأخلاقية والسيكولوجية. يبدأ من لحظة البداية الأسطورية، ثم ينتقل إلى الحاضر المُثقل بالحروب والقتل والفساد:
"فكل الحروب التي دمرت الكون
صنعتها جينات الإجرام التي نحملها"
تتحول قصيدة بوڨرة إلى ما يشبه أرشيفًا داميًا للنوع البشري، من وأد البنات، إلى قتل الأطفال، إلى خراب الأرض. هذا التصعيد لا يتوقف عند التوصيف، بل يتوجه نحو محاكمة مباشرة للذات البشرية، بلغة تساؤلية تكشف الوعي الفلسفي العميق:
"فكيف يرضى عنا الرب..
وقد حولنا الأرض إلى بركة من دماء"
3. جماليات النص: مباشرة اللغة وعمق الفكرة
رغم اعتماد الشاعر على لغة مباشرة وأسلوب خطابي، إلا أن النص يُحقق كثافة دلالية عالية، ناتجة عن:
التكرار البنائي: "هم من..." "يؤمن بالله..."
استخدام الجملة الفعلية القصيرة المتكررة: "يكذب / يحسد / يسرق..."
التوازي بين المعتقد والسلوك: "يؤمن بالله.. ويرتكب أشنع الأفعال"
تتجلّى هنا مفارقة شعرية حادة: الوعي الديني مقابل الانحطاط الأخلاقي. هذه المفارقة لا تُستخدم للتهجم على الدين، بل للكشف عن الازدواجية الأخلاقية في سلوك الإنسان المعاصر.
كما يحضر الصوت الاعترافي الذاتي في آخر النص ليعكس أزمة وجودية دفعت الشاعر للتمني بأن يكون مخلوقًا غير بشري:
"إلهي لو أنك خلقتني..
من الملائكة أو نفر من الجان"
هذا التخييل لا يمثل انسحابًا من الواقع، بل صرخة احتجاج على جينات القتل المتأصلة في الإنسان.
4. الرؤية الفلسفية: الإنسان بين الإيمان والجريمة
القصيدة تتبنى مقاربة فلسفية وجودية جذرية، تذكّرنا بنصوص كافكا ونيتشه من حيث فقدان الثقة في الإنسان ككائن أخلاقي. فالسؤال الوجودي ليس: لماذا قتل قابيل؟ بل: لماذا لا يزال الإنسان يقتل حتى اليوم؟
تمضي القصيدة لتجعل من قابيل ليس مجرمًا فرديًا، بل رمزًا لسلالة كاملة ملوّثة بالدم والخطيئة الموروثة. بذلك، تضع الشاعر في موضع "الشاهد المذنب"، إذ لا يبرّئ نفسه من السلالة، بل يصرخ من داخلها.
5. تلخيص انطباعي: صرخة بلا تعزية
يمضي القارئ في القصيدة كما لو كان يقرأ اعترافات إنسانية جماعية تُقال لأول مرة بصدق لا يُراعي المجاملات. النص ليس رثاءً لضحايا الحرب أو صرخة عاطفية ضد القتل، بل هو اعتراف فلسفي صادم بأننا لسنا سوى استكمال للقاتل الأول.
يغادر القارئ النص محمّلًا بشعور ثقيل: لا أحد بريء. هذا الثقل الأخلاقي هو ما يجعل القصيدة تجربة مؤلمة، لكنها ضرورية.
6. إشادة نقدية بالشاعر علي أحمد بوڨرة
تمثل قصيدة "تداعيات الجريمة" نموذجًا لقصيدة الفكرة، لا القصيدة الانفعالية فقط. لقد استطاع الشاعر علي أحمد بوڨرة أن يستخدم القصة القرآنية كمادة تأسيسية لصياغة رؤية شعرية معاصرة تحتج على عنف الإنسان وازدواجيته الأخلاقية.
ما يميّز هذا النص هو قدرته على مساءلة الذات البشرية دون مواربة، بلغة مكثفة، وفكرة محورية تمضي إلى أقصى حدودها الفلسفية. القصيدة تنجح في أن تكون نصًا يتجاوز الزمان والمكان، ويُخاطب جوهر الإنسان مباشرة.
لهذا، فإننا بإزاء شاعر يمتلك وعيًا أخلاقيًا وشعريًا في آنٍ معًا، يجمع بين البساطة التعبيرية وعمق الطرح، ما يجعل من "تداعيات الجريمة" قصيدة تستحق أن تُقرأ، وتُدرّس، وتُناقش ضمن الأدب الفلسفي المعاصر.
*****
قصيدة "تداعيات الجريمة" 

علي أحمد بوڨرة- تونس

هابيل لم ينجب قبل مصرعه أطفالا 
كلنا أبناء القاتل قابيل 
دم الضحية يلاحقنا 
يلطخ أيدينا
يغرقنا في عقدة الذنب 
فكل الحروب التي دمرت الكون 
صنعتها جينات الأجرام التي نحملها 
فكيف يرضى عنا الرب..
وقد حولنا الأرض إلى بركة من دماء 
هذه القسوة التي ورثناها 
 وهذه الأرواح البريئة التي أزهقناها 
وهذه الأرض التي خربناها 
دليل على أنانية الانسان 
على فقدان العقل وطول اللسان 
يؤمن بالله..
ويرتكب أشنع الأفعال 
يكذب 
يحسد 
يسرق 
يفسق 
يقتل بدم بارد 
ويطلب المغفرة من الرحمان 
الهي لو أنك خلقتني..
من الملائكة أو نفر من الجان 
فالبشر هم من سفكو الدماء
هم من وأدو البنات من غير ذنب 
هم من قتلو الأطفال وخلفو الأحزان
البشر..
هم من زرعوا الموت في كل مكان
كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف