كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

دور التراث الفلسطيني في المحافظة على الذاكرة والوعي

أمينة عباس - فينكس 

  • تأتي أهمية المحاضرة التي نظمها مؤخراً اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين للدكتورة نجلاء الخضراء الباحثة في التراث، والتي حملت عنوان "دور التراث الفلسطيني في المحافظة على الذاكرة والوعي"، لتؤكد على أهمية التراث الشعبي للشعب الفلسطيني ودوره في الحفاظ على الحق الفلسطيني والهوية الفلسطينية بخصوصيته الاستثنائية التي تتجاوز البعد لأنثروبولوجي التقليدي بتحوله إلى جبهة نضالية بحد ذاته، وأداة حاسمة لإثبات الحق التاريخي والأصالة في مواجهة الروايات الإحلالية.
  •  الحفاظ على التراث الفلسطيني 
  • بينت د. نجلاء الخضراء في تصريحها لنا أن التراث الفلسطيني ليس مجرد شواهد مادية أو ممارسات فلكلورية معزولة عن الواقع، بل هو الركيزة البنيوية للهوية الوطنية الفلسطينية، والوثيقة التاريخية الدامغة التي تثبت ارتباط الفلسطيني بأرضه قبل نشوء الفكر الاستعماري وعقود الاحتلال، وأن محاولات الكيان المحتل للسطو على هذا التراث - سواء المادي منه عبر التهويد والحفريات وتغيير المعالم، أو غير المادي عبر قرصنة الأزياء والمأكولات والفنون - ما هي إلا جزء من استراتيجية "المحو والإحلال" الإلغائية التي تسعى لتزييف التاريخ واختلاق هوية بديلة على حساب أصحاب الأرض الأصليين: "من هنا فإن معركة الحفاظ على التراث الفلسطيني هي امتداد مباشر لمعركة الوجود وصمود الإنسان فوق أرضه".
  •  صمام الأمان 
  • استهلت د. نجلاء الخضراء محاضرتها بالتعريف بالتراث الفلسطيني بشقيه: المادي الذي توثقه الحجارة، والمعالم الأثرية، والمخطوطات، وغير المادي - الأزياء، والمأكولات، والفنون الشعبية - الذي تحمله الأجيال في الذاكرة الشفوية، مؤكدة أنه صمام الأمان للهوية الوطنية الفلسطينية، والشاهد الحي على الوجود الحضاري المستمر للشعب الفلسطيني فوق أرضه منذ آلاف السنين، وأنه خط الدفاع الأول عن الرواية الفلسطينية: "هو الوثيقة الدامغة والأثر المادي والشفهي الذي يثبت الوجود التاريخي الأصيل للفلسطينيين على أرضه منذ آلاف السنين، ويدحض الأساطير الإحلالية التي تحاول نفي وجودهم، وهو الحاضن الأساسي الذي يربط بين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، حيث يعمل كجسر ثقافي يوحد الوجدان الشعبي، ويحافظ على استمرارية الذاكرة التاريخية عابرةً للأجيال والحدود المصطنعة، إضافة إلى القيمة الإنسانية والعالمية له، حيث يحمل التراث الفلسطيني أبعاداً حضارية غنية أسهمت في صياغة الإرث الإنساني المشترك، نظراً للموقع الجغرافي لفلسطين كملتقى للحضارات ومهد للأديان السماوية، وهو ما تؤكده المنظمات الدولية (مثل اليونسكو) من خلال إدراج العديد من العناصر والمعالم الفلسطينية على قوائم التراث العالمي".
  •  سرقة التراث ركيزة أساسية في المشروع الاستعماري 
  • ولأن الكيان المحتل يخوض صراعاً محموماً ليس على الجغرافيا والحدود فحسب، بل على الذاكرة والتاريخ؛ رأت الخضراء أن سرقة التراث هي ركيزة أساسية في مشروعه الاستعماري لتزييف التاريخ واختلاق الرواية، بسعيه جاهداً لإيجاد "روابط تاريخية وأثرية" مزعومة تبرر وجوده الإحلالي على الأرض، ولن يتأتى له ذلك إلا بمحو الآثار العربية والفلسطينية الأصيلة واستبدالها برواية مخترعة، لأنه ككيان استعماري طارئ تشكّل من مهاجرين من خلفيات ثقافية متباينة، يفتقر إلى هوية ثقافية متجانسة ومرتبطة بالأرض، فيلجأ إلى السطو على تراث أصحاب الأرض الأصليين وسرقته لملء هذا الفراغ الثقافي عبر القرصنة والسطو ونسب عناصر من التراث غير المادي الفلسطيني لنفسه وتسويقها عالمياً: "كتقديم الثوب الفلسطيني المطرز في مسابقات الجمال الدولية على أنه زي إسرائيلي، ونسب الأطباق الشعبية كالحمص، والفلافل، والشكشوكة، والمفتول إليه في المهرجانات والمطاعم الدولية"، وكذلك عبر التهويد وتغيير الأسماء والمعالم (العبرنة) من خلال طمس الهوية البصرية والمكانية بتغيير أسماء المدن والقرى والشوارع والمعالم التاريخية من العربية إلى العبرية، وتعديل الطراز المعماري للمباني القديمة لإعطائها طابعاً غريباً عن واقعها العربي، إلى جانب التدمير الذي يقوم به، ومصادرة الآثار ومصادرة آلاف القطع الأثرية والنادرة من المواقع التاريخية والمتاحف الفلسطينية وعرضها في المتاحف الإسرائيلية على أنها إرث خاص به. 
  • ضرورة وطنية ملحة
  •  في ظل الاستهداف الممنهج للتراث الفلسطيني لم يعد الحفاظ عليه واجباً ثقافياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة لحفظ البقاء. 
  • من هنا أنهت المحاضرة محاضرتها بتوصيات عملية: 
  • *تكثيف الأرشفة الرقمية والتوثيق الموسوعي: إطلاق مشاريع وطنية مدعومة أكاديمياً لتوثيق الذاكرة الشفوية والحكايات الشعبية والتاريخ الشفوي للقرى المهجرة، وحفظها في قواعد بيانات رقمية عالمية ومفتوحة لضمان عدم ضياعها. 
  • *تفعيل المسارات القانونية والدولية بتفعيل دور الدبلوماسية الثقافية الفلسطينية والعربية لملاحقة محاولات القرصنة الإسرائيلية في المنظمات الدولية (مثل اليونسكو والويبو - المنظمة العالمية للملكية الفكرية)، وتسجيل كافة عناصر التراث غير المادي كممتلكات ثقافية فلسطينية خالصة.
  •  *تطوير المناهج التعليمية والمحتوى الرقميب بإدراج مساقات متخصصة في الجامعات والمدارس تُعنى بـ"دراسات التراث الصامد"، مع التركيز على صناعة محتوى رقمي تفاعلي بلغات متعددة (كالإنجليزية والفرنسية) لتعريف الرأي العام العالمي بحقيقة التراث الفلسطيني ومواجهة الماكينة الإعلامية للمحتل.
  •  *الدعم الاقتصادي للحرفيين والمؤسسات التراثية من خلال تقديم تسهيلات وإعفاءات ضريبية، وتوفير الدعم المالي المباشر للمشغلات والجمعيات التي تُعنى بالحرف التقليدية (كالمرأة الريفية في مجال التطريز، وخزف الخليل، وصابون نابلس) لضمان ديمومتها وقدرتها على المنافسة والانتشار.
  •  يذكر أن معرضاً أقيم على هامش المحاضرة التي أتت ضمن فعاليات نشاطات جمعية التراث الشعبي في الاتحاد وقد عرض فيه بعض المقتنيات التراثية القديمة.