كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. أحمد الخميسي: تـــحــرش (قصة)

ارتقى سلم الأتوبيس وهو يدفع الآخرين برأسه وكتفيه وقبضتيه يمينا وشمالا. ما إن لمح مكانا شاغرا حتى هرول نحوه. حط بدنه على المقعد بفورة من الشعور بالزهو والانتصار. المشوار طويل يحتاج راحة. انتبه إلي أنه قاعد بجوار شابة جالسة ناحية النافذة، بيدها موبايل وباليد الأخرى تلوح لشخص على الرصيف. قدر بنظرة خاطفة أنها تجاوزت العشرين. ممتلئة. عيناها واسعتان. شفتاها مكتنزتان كحبتي فراولة. حين فطن إلي جمالها ضم ساقيه وركبتيه إلي بعضهما. يجب أن تشعر بحرصه عليها وباحترامه الحدود. على أي حال الحمد لله على الجلوس. أدخل إصبعه خلف ياقة القميص يحك عرق الصيف. بالطبع كان الأفضل لو أني وجدت مقعدا قرب رجل مسن أو شاب لأن ملامسة أي امرأة في مواصلات عامة قد تؤدي إلي خناقة تبدأ بغضب مكظوم: "لو سمحت لم نفسك يا محترم", وتنتهي بعلو صوت يدرك مسامع الأتوبيسات المحاذية: "تتعرضون لبنات الناس. تشمون أي قطعة لحم. ولا تستحون أبدا يا أوباش"! يانهار أسود! بلغت حد"أوباش"! تزحزح بفخذه مسافة بعيدا عن الفتاة. ضم ساقيه بقوة أشد حتى أحس بركبتيه ترتجفان. أعوذ بالله. هز رأسه بأسف. أيعقل أن أتحرش بها وأنا رجل كبير السن؟ ثم أنها في عمر ابنتي. قطعا أصابتها لوثة لتظن ما تظنه! نعم. تحرش مرة واحدة؟! لو أنها تعلم كم عدد الأطباء الذين أتردد عليهم وأنواع الأدوية التي أتناولها بانتظام ما اتهمتني بهذه التهمة. حقن فيتامين للأعصاب. كالسيوم لهشاشة العظام. فوار للكلى. أسبرين لسيولة الدم. بخاخة ربو. التحرش بالبنات بحاجة إلي شباب وقد انقضت سنواته، حتى أمسى يعيش وحده من زمن، لا زوجة ولا ولد. ترافقه ذكريات وصور وأصوات الراحلين، يعزي نفسه بأنه سوف يأتنس بصحبتهم عندما ينتقل إلي جوارهم. حينئذ لن يعود وحيدا. في ظروفه هذه تظهر شابة وتتجرأ عليه، تنهره بعلو صوتها. تقول "تحرش"؟! قال تحرش قال! أهذا بدلا من أن تنظر إليه وتقول له: "تفضل حضرتك اجلس براحتك"؟!  

أقبل محصل التذاكر. توقف أمامه وطرق خشبة بطرف قلم. من خلف المحصل مر شاب فاختل توازن المحصل ومال عليه بثقله، زحزحه قليلا, فلامس كتفه غصبا عنه كتف الفتاة لمسة سريعة اعتدل بعدها على الفور. اختلس نظرة إليها. سارحة بأفكارها؟ هل هذه هيئة السرحان؟ أم أنه الاستياء؟ السخط ؟ تختزن الغضب وتجتره. تقول لنفسها: "عجوز لكن لا يخجل. كلما ارتجت العربة مال علي بكتفه".  معقول! أنا متحرش! ياحول الله. إلي ذلك الحد تصل القساوة وسوء الظن؟ لكن هذه قلة أدب لا يمكن السكوت عليها. إن لم أواجهها فسوف تعتقد أنها على حق فيما ذهب إليه خيالها. ليس بالحتم أن أعنفها بالزعيق ولا أن أسبها. يكفي إحراجها بطريقة لطيفة، بالذوق: "عيب عليك. أنا رجل كبير ومحترم. عيب. والله عيب". أقول ذلك مبتسما بطيبة على مرأى من الركاب. لكنها تتمادى: "تدعي الآن أنك رجل غلبان، ياعيني، لو كنت تحترم نفسك ما قمت بذلك أصلا. لكنك رجل عرة"! عرة ؟! يانهار مطين! لم يبق بعد ذلك ما يقال. الحمد لله الركاب جميعا شهود على أنه خاطبها باحترام. بكل احترام. الآن أصبح من حقه بعد ما قالته أن يرد الصاع صاعين وأن يظهر أن لطفه ليس ضعفا: "للأسف أهلك لم يحسنوا تربيتك". قالت وقد فنجلت عينيها محمرتين: "والله ما أتركك إلا في قسم الشرطة. هناك يتقنون معاملة أمثالك". وفزت واقفة. نهض هو الآخر. ترنح وهو يلوح للركاب بيده عاليا: "جميعكم شهود. لقد خاطبتها بمنتهى الاحترام". فاجأته بلكزة من قبضتها في كتفه: "تتحرش بامرأة يا قليل الأدب؟!". التفت برقبته إلي الركاب يقول بأعلى صوت: "أترون؟ هي التي بدأت استخدام يديها وأنا.. وأنا.. بكل احترام".

انتبه فجأة إلي نهوض الفتاة من جواره. تطلع إليها واقفة مأخوذا. ابتسمت. تمتمت برقة وهي تؤرجح بأصابعها قلادة فضية على رقبتها: "بعد إذنك. أنا نازلة". غمرته سكينة كالبلسم. زحزح ساقيه جانبا بابتسامة شاردة. خرجت الفتاة من حيز المقاعد. سارت حتى اقتربت من باب العربة، ومن هناك استدارت إليه ببسمة، ثم هبطت. شيعها ببصره من النافذة في عبورها الشارع: "سبحان الله! واضح أنها بنت مؤدبة من عائلة طيبة. لكن لو أنها كانت قد حسبت أنني احتككت بها عمدا وقالت: "عيب يا محترم لم نفسك" لكان لنا حديث آخر. الحمد لله. لا شك بنت محترمة. راحت تقطع الشارع إلي أن بلغت الرصيف الآخر وهو يتابعها بنظره، ثم لم يعد يرى سوى رأسها يلوح ويغيب في زحام حتى اختفت تماما، فلوح لها بكفه مودعا، مرة، ومرة أخرى. لو أنه استرعى انتباهها، والتفتت نحوه قائلة: "لا تؤاخذني. أنت تبدو متعبا. تتنفس بصعوبة. سلامتك. مابك؟" لكان ذلك شيئا جميلا جدا في يوم طويل حار.     

***

كلما ازداد تبحر الإنسان في الثقافة ازداد غنى
الشيعة والمذهب الجعفري
الخوف (قصة قصيرة)
بحضور 16 ألف مشاهد.. اختتام عالمي لمسابقة أقرأ في إثراء ومغربية تحصد لقب قارئ العام للعالم العربي
كيف تقرؤون وتبدعون تحت القصف وتهديد المسيرات؟
وقفة مع بعض خصال وثمار العلامة الدكتور المحامي أحمد محمود عمران الزاوي في الذكرى السابعة لرحيله
ثلاثمئة عنوان متنوع في جناح اتحاد الكتاب العرب في المعرض الثالث للكتاب السوري
في الذكرى السابعة لغياب العلّامة الدكتور أحمد عمران الزاوي.. نفحات من طيب فكره
مثقفونا وفئران السفينة
10 مشاركين من 7 دول عربية منها سوريا يتنافسون على لقب قارئ العالم العربي
تحليق في ديوان فلسطين في أناشيد محمد نصيف
لغةٌ تسكنه وينبض بها قلبه.. المترجم نوفل نيوف: اللغة الروسية وثقافتها جزءٌ أساسيّ من تكويني..
عن خرائد العصر
"زهرة تحت القدم".. نصف قرن من القصص الروسية الخالدة
النِّزاريّةُ الشِّعريّة.. فلسفةُ الانتماء والنَّقدُ الـمُختلِف