كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الآن دونــو.. نـــظـــام الـــتــفـــاهـــة

د. أحمد الخميسي- القاهرة

   في كتابه "نظام التفاهة" يصب المفكر المعروف الآن دونو الأستاذ بإحدى الجامعات الفرنسية غضبه غير المحدود على عالمنا المعاصر، ويسم النظام العام السائد بأنه "نظام التفاهة"، ويعرف ذلك بقوله إنه: "النظام الاجتماعي الذي تسيطر فيه طبقة الأشخاص التافهين على جميع مناحي الحياة، وبموجبه تتم مكافأة الرداءة والتفاهة عوضاً عن العمل الجاد والملتزم". 

ويصب المفكر المعروف جام غضبه على ذلك النظام، على قواه اليسارية واليمينية وعلى الوسائل التي يحكم بها قضبته على العالم بدءا من التلفزيون والجامعات والفنون وأشكال الديمقراطية النيابية وحتى على البشر حين يقسمهم إلى خمسة أنماط تعبر عن التفاهة التي يرى أنها  قد بسطت سلطانها على كافة أرجاء العالم بحيث صار للتافهين القول الفصل في كل الشئون العامة والخاصة وليس فقط في بلدان الأطراف النامية بل في عقر دار أميركا الشمالية وأوروبا. 

إذن هو يحدثنا عن ظاهرة عالمية تقود البشر حسب تعبيره إلى: "الاغفاء بدلا من التفكير، والنظر إلى ما هو مقيت كأنه ضرورة، فتحيل البشر إلى أغبياء". 

ووفقا للكاتب فقد انبثق هذا النظام وساد بعد أن أحالت الرأسمالية العالمية المتوحشة الناس إلى مجرد آلات مسخرة لتحقيق فائض الإنتاج اللازم لاستمرار أرباح المنظومة الاقتصادية الرأسمالية، مما أدى حسب تصوره إلى تخريب منظم لكوكب الأرض إنسانيا واجتماعيا واقتصاديا وبيئيا وعلميا وفنيا، تخريب على أسنة رماح الترسانة العسكرية والحربية وبمشاركة القوى الناعمة من أكاديميات وعلوم وفنون وإعلام. 

يصب الآن دونو غضبه على الإذاعة والتلفزيون على أنهما جهازان لتعميم أيديولوجيا التفاهة ونشرها، ويصب غضبه بشكل خاص على الأكاديميات ومراكز البحث العلمي والجامعات التي صارت بؤرة للتفاهة منذ أن أصبح شعارها على حد قوله: "تفصيل العقول وفق احتياجات سوق العمل"، ومن ثم فإن الأكاديميين في نظره: "ليسوا مثقفين ولكن مجرد خبراء" يقومون بالتخديم العلمي على احتياجات السوق، محكومين في ذلك بمراعاة الضرورات التي تفرضها حرفتهم. ويرى الآن دونو أن نظام التفاهة يتجلى أوضح ما يكون في الفنون التي انغمست في كل الممارسات والأساليب الغريبة عن الفن والترويج لقضايا لا علاقة لها بهموم المجتمع، ويقول في ذلك السياق إنه: "ليس من الضروري لكي تكون فنانا في نظام التفاهة أن تتمتع بموهبة أو مهارات محددة، أو أن تكون عندك رسالة أو كلمة نافعة، قل أسخف السخافات، ولا تهتم، فهذه هي البوابة النموذجية لدخول عالم الفن بكفالة وضمان نظام التفاهة"، وحسب قوله فإن المهم هنا: "عدم افساح المجال لبروز الفكر النقدي.. بحيث يبدو الفن اكسسوار لا هدف له سوى تنشيط الحياة العادية، زركشتها، وجعلها أكثر حسية. 

ويولي الآن دونو اهتماما خاصا للميادين الأكاديمية في بلورة واستمرار نظام التفاهة حين يعتقد أن المركز الرئيسي في عملية سيطرة التافهين على مفاصل الحياة المعاصرة يبدأ وينتهي بالميادين الأكاديمية من جامعات ومراكز علمية وما شابه. 

وتبدو صيحة الآن دونو أشبه بصرخة احتجاج قوية ليس فقط في مواجهة التفاهة بل وأيضا في مواجهة عجز النخبة عن تغيير الوضع الحالي السائد الذي يحول التفاهات إلى قيم 

ثقافية واجتماعية ويلقي بها إلى عموم البشر لتتمسك بها. ومع تعاطفي مع صرخة آلان دونو إلا أنني لا أستطيع تأييده في تعميم صورة نظام التفاهة، بحيث يبدو الأفق خاليا من كل بادرة إدراك أو مقاومة، ولنأخذ على سبيل المثال تركيزه على المجالات الأكاديمية بصفتها مركزا لبلورة سيطرة التافهين، وهنا يجب التذكير بأن تلك المراكز طالما أخرجت لنا علماء وأدباء ومفكرين عظام، ثم أليس الآن دونو نفسه أستاذا ودكتور في الجامعة الفرنسية، أي في أحد تلك المراكز؟ وأليس صدور كتابه هذا دليلا ينقض نظرته العدمية إلى الأكاديميين؟ علاوة على ذلك فإن من قامت بترجمته هي أيضا أكاديمية، دكتورة مشاعل الهاجري؟!         

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي