كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عرفانا ومحبة في عيد المرأة

أحمد الخميسي- فينكس:
في عيد المرأة استعيد صور النساء التي تفوح في القلب كالزهرة: طوابير النساء المصريات المجهدات من العمل وشغل البيت، متعبات من قلة المال وتحرش الرجال.
طوابير من واهبات الحنان والحب والأمل – امتدت مثل سلاسل من نور في كل أزمة وثورة، طوابير طالما هدهدتنا، وأطعمتنا، وسقتنا، وعلمتنا. ومن قلوب الأمهات والعاشقات والثائرات والأخوات تدفقت الدماء فينا.
أتذكر نساء من حياتي، ماما هانم، والدة أخي الأكبر، التي كانت تضع الكتاب على ركبتيها وتراجع معنا الدروس أنا وأخي قائلة "سمعوني القصيدة" فنردد معا "بلادي جنة الدنيا وروض ربيعها الأخضر.. تعالى الله باركها وأجرى تحتها الكوثر". تنصت وعيناها تتابعان سطور الكتاب باهتمام، ثم تقاطعنا فجأة "غلط . سمعوني من الأول". وفقط في المرحلة الإعدادية عرفنا أنها لم تكن تجيد لا القراءة ولا الكتابة وأنها كانت تخدعنا لتعلمنا! ولم أحب امرأة في حياتي كما أحببت تلك السيدة الجميلة الفلاحة التي غمرتني بحنانها وعطفها ودعمها.
أتذكر جدتي وصبرها على حماقات جدي وكسله وعجرفته كما تصبر الأم على الطفل الأرعن.
أتذكر أمي التي كانت لقلة المال تجمع ما يتبقى من طعام كل يوم ثم تعيد طبخه خليطاً عجيب الطعم قائلة "تورللي يا أولاد"! وكان يوم ذلك "التورللي" يوم حزن ونكد.
أحاول أن أتخيل كيف تدبرت أمي حياة ستة أطفال براتبها الزهيد؟ أتذكر البنات اللواتي شغلن قلبي وطيرن في أجوائه أوهام المحبة العذبة وعطرها ووهبنه حياة ولو من الخيال.
ما من لحظة في وجودنا تخلو أو خلت من المرأة ولا معنى استقام أو يستقيم بدونها. واهبات الحياة، صانعات المستقبل، ولطالما شعرت بالعرفان لكل النساء الرائعات، حفيدات صفية زغلول، وهدى شعراوي، نساء ثورة 19 اللاتي ألهمن حافظ إبراهيم قصيدته الجميلة وهو يصف مشاركتهن في المظاهرات قائلا:
خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعنه..
فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهـــنه..
وأخذن يجتزن الطريق ودار (سعد) قصدهنه..
يمشين في كنف الوقار وقد أبـن شعورهنـه..
طوابير النساء اللواتي وصفهن صلاح جاهين بأنهن "ألطف الكائنات"، حفيدات شفيقة محمد شهيدة مظاهرات ثورة 19، نساء انخرطن قبل ثورة يوليو في العمل السياسي، ينظمن الاحتجاجات ويخفين المطابع السرية ويندفعن لحمل السلاح دفاعا عن الوطن ويتعرضن للسجن في التصدى للملك والاستعمار.
نساء صورت لطيفة الزيات نموذجا منهن في روايتها "الباب المفتوح"حيث لا حرية للمرأة من دون حرية الوطن. نساء نمت صدورهن بآمال الوطن قبل أن تنمو بأحلام الغرام. ثريا شاكر، وانجي أفلاطون، وغيرهما من أخوات فاطمة زكي التي التحقت بكلية العلوم عام 1941، واجتذبتها فكرة العدالة وهي شابة في مقتبل العمر، وكانت تقود الطلاب في المظاهرات ضد الملك والانجليز في العباسية والمناطق المجاورة، وحين رشحها زملاؤها لدخول الاتحاد العلمي لكلية العلوم، حل عليها الذهول وتساءلت: "أنا بنت وأرشح نفسي ضد الأخوان المسلمين؟". فأصر زملاؤها. ورشحت نفسها ونجحت في مواجهة الظلامية. وكانت أول فتاة تفوز بمقعد داخل الاتحاد في تاريخ الكلية.
حفيدات كل النساء الثائرات في العالم، جميلة بوحريد، والكاتبة العظيمة هارييت بيتشر سو التي كتبت رواية "كوخ العم توم" دفاعا عن حرية ملايين العبيد من الزنوج، والتي ما إن نشرت روايتها عام 1852 حتى اشتعلت حرب تحرير العبيد. وعندما التقى بها الرئيس الأمريكي لينكولن قال لها: "أنت إذن المرأة الصغيرة التي أشعلت حربا كبيرة؟!".
نساؤنا حفيدات "لاريسا رايسنر" التي أعطت إشارة انتصار الثورة الروسية عام 1917، عندما وقفت على سطح المدمرة "أفرورا" وأعطت الأمر للمدافع لاسقاط "القصر الشتوي" قلعة القيصر الأخيرة. وكانوا يطلقون عليها المرأة الأسطورة. وصفها الروائي فاديم أندرييف بقوله: "لم يكن هناك رجل واحد يمر بها دون أن يتجمد في الأرض، يتابعها بنظراته حتى تختفي، ولم يكن أحد ليجرؤ على الاقتراب منها أبدا، فالكبرياء التي تشبعت بها كل حركة من حركاتها كانت تحميها بجدار صخري لا يدمر". وعندما توفيت كتب الشاعر الكبير باسترناك قصيدته "ذكرى لاريسا" يقول فيها: "ها أنا أقف عاجزا أمام الموت، بدون أن أعلم كيف تماسكت الرواية الحية – بدون صمغ – على قصاصات الأيام".
البنات والنساء المصريات واهبات المحبة والحنان والصلابة التي امتدت بالتضحيات حتى 28 يناير 2011: رحمة محسن، وزكية محمد، ومريم مكرم، ومهير خليل زكي، وهدى صابر، وسالى مجدي زهران، والطفلة هدير سليمان، وأميرة اسماعيل، ورشا جنيدي.

لكل بنات ونساء وطني الجميلات العرفان كله والمحبة وأطيب الأمنيات.

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي