كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في ذكرى والدي

د. أحمد الخميسي- فينكس:

تحل في الأول من أبريل هذا العام 2023 ذكرى رحيل والدي في1987. 

بعد الرحيل تذكر محمود السعدني أول مرة التقى به، فكتب: "في الأربعينيات حضر الخميسي إلى قهوة عبد الله ذات مساء وقضى السهرة في ركن أنور المعداوي، وأشاع جوا من البهجة والمرح، وعزم الشلة كلها على العشاء، ودس في يد الولد الذي قام بتلميع حذائه جنيها كاملا، المهم أنه غادر المقهي في ساعة متأخرة من الليل وقد وهب السعادة للجميع.. حديثا وطعاما وهبات.. كان نموذجا للفنان الذي رسمته في خيالي: كان شديد الزهو، شديد البساطة، عظيم الكرم، دائم الفلس، وكان يمشي دائما في الطريق يتبعه أكثر من شخص يلازمونه كظله، ويطيعون إشارته". 

أما يوسف إدريس فكتب في الأهرام يقول: "هذا الشاعر المخترع الموسيقى كاتب القصة راوي الحكاية.. الخميسي.. كان قويا عملاقا متفائلا إلي ألف عام قادمة، وكان فمه مفتوحا إلي آخره مستعدا لابتلاع الحياة كلها، بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال.. وهو قوي مقاتل وطني عنيد". 

وكتب أحمد بهجت ينعيه: "الخميسي مزيج عجيب من الشخصيات المتداخلة المختلفة المتعددة.. إنه شاعر، يجيد العزف على البيانو، وهو كاتب قصة ينصرف أحيانا إلى اللعب كما يفعل الأطفال، وهو إذا لعب قام بتأليف فرقة مسرحية، أو إخراج فيلم سينمائى، أو كتب قصيدة من الشعر، وكان فى كل ما يلعبه سيدا من سادة اللعبة، إن حقل الفنون جميعا ملعبه وهو يتألق فيه مثل بيليهأو مارادونا". 

أما الكاتب صلاح عيسى فقص في مقال له حكاية الخميسي مع وزير الداخلية شعراوي جمعة، وكان المسئول عن التنظيم الطليعي في الاتحاد الاشتراكي، حين التقى شعرواي بوالدي وسأله لماذا لم ينضم للتنظيم الطليعي بينما انضم أغلب التقدميين إليه؟ فقال له والدي: "الحقيقة يا شعرواي بك أنا في عيب وحش قوي.. ما تتبلش في بقي فولة.. وإذا حضرت اجتماعا حزبيا قد أخرج منه وأفشي أسراره.. فيلقون القبض  عليكم"!! قهقه وزير الداخلية وقد أدرك أن الخميسي يروغ منه. 

ومع انقضاء 36 عاما على رحيل والدي، لكني لا أذكره إلا ضاحكا، وقويا، وحين كان في المعتقل عام 1954 بعد دعوته مع طه حسين لعودة الجيش إلى الثكنات، أرسل من المعتقل خطابا لأمي، مازال عندي، يحذرها فيه قائلا: "إياك وأن يحزن الأطفال..الحزن يهدم النفوس.. شجعيهم واجعليهم يضحكون، وقولي لهم إنني مسافر وقريبا أعود". 

وقد سافرت معه من مصر إلى لبنان بالباخرة عام 1972، وعلى سطح الباخرة ونحن في عرض البحر اكتشفت أنه ليس معه مليم واحد من أي عملة في العالم. اكتشفت ذلك حين قلت له: دعنا نشرب شاي من بوفيه الباخرة، فأقسم لي أنه ليس بجيبه مليم واحد. نظرت إليه مذهولا وصناديق ثيابنا حولنا، أفكر كيف إذن سنهبط بيروت؟ ومن أين سنعيش هناك؟ لكنه ضحك وقال: لا تحمل هما. ومع أن كل الكتاب الكبار الذين عاصروه وكتبوا عنه قد لمسوا هذا الجانب أو ذاك من شخصيته الفريدة، إلا أنه كان عشرة أو عشرين فنانا في شخص واحد، وأذكر أنه في حديث له مع التلفزيون سألته المذيعة عن أنشطته المتعددة، في القصة والمسرح والسينما والاذاعة والصحافة والنقد والتمثيل والاخراج والتأليف الموسيقي، فضحك قائلا لها: "أنا أصلي رجل كثير". 

رحل ذلك الرجل "الكثير" الذي لا أذكره إلا مقترنا بالبهجة والأمل والقوة وخيالاته الساحرة الجميلة.  

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي