كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الخروج عن القطيع

من أروع أعمال الفنان البولندي "توماس كوبيرا" لوحة "الشرود عن القطيع"، وهي لوحة رائعة تعبر عن مدى صعوبة أن يتحرر الفرد من ثقافة القطيع المفروضة عليه من مجتمع الجهالة والتخلف.. وفى الصورة يبدو أحد الأشخاص يحاول أن يستقل بذاته ويفر من العبودية وسيطرة القطيع، والرجل يصرخ من الألم وتعبيرات وجهه مملوءة بالمعاناة الشديدة، ولكنه يقاوم بإصرار وعناد، وعيناه مثبتتان على شيء ما يراه بعيدا، قد يكون نجمه الهادي وحلمه الكبير الذي يسعى لبلوغه كي يصبح إنسانا حرا متميزا عن القطيع.. 
ويبدو في الصورة عدد لانهائي من الجموع الحاشدة، يمسكون بتلابيبه لمنعه من الفرار، وإجباره على الانصياع لقوانينهم.. وهذه الجموع يجمعها اللون نفسه والشكل نفسه والطبيعة نفسها والصفات نفسها والأفكار نفسها، وكأنهم جميعاً قوالب متشابهة ونمط واحد متكرر! ولا أحد يعرف من أطلق هذا الاسم على اللوحة، هل النقاد أم الفنان نفسه..
•• وفى وصف القطيع يقول المفكر الفرنسي "أتيان دولا بواسيه" فى كتابه "العبودية الاختيارية":
( يعيش القطيع في عالم مستقل خاص به وتنحصر اهتماماته في: 1- لقمة العيش. 2- كرة القدم. 3- الجنس . 4- الدين).
والدين عند القطيع ليس له علاقة بالفضيلة أو الحق أو العدل، وإنما هو مجرد استيفاء للشكل والمظهر (لحية، جلباب، نقاب، مكبرات صوت... إلخ) .. وفى المقابل فإن القطيع لا يهتم بالأخلاق أو السلوك! فهو بلا حرج يكذب ويسرق ويرتشي، ويغش في الامتحانات، ويتهرب من الضرائب، ويتحرش بالأنثى ولا يتقن عمله!.. 
والعجيب أن القطيع لا يشعر بالذنب وتأنيب الضمير، إلا فقط حين تفوته إحدى الصلوات!!
•• وفى كتاب "سيكولوجيّة الجماهير" يقول عالم الاجتماع الفرنسي الشهير "چوستا لوبان": (إن قناعات الجماهير لا تتشكل بالإقناع ولا العقل ولا المنطق، ولكن بالعاطفة فقط!).. فالأفكار نفسها لا تؤثر في الجماهير، ولكنها تتأثر بطريقة عرض هذه الأفكار.. وخير مثال على ذلك بعض المشايخ الذين لم يؤلفوا في حياتهم كتابا واحدا، وليس لديهم سوى مجموعة محاضرات ودروس هي التي مكنتهم من غزو قلوب ملايين السذج.. ويمكن وصف بعضهم بأنه يتمتع بكل خصال "راسبوتين"، فهو ممثل نصف موهوب، وله قدرة هائلة على خداع الجماهير البسيطة، بأسلوب مسرحي وأداء تمثيلي حركي باستخدام لغة الجسد والتمثيل بالذراعين والميل ذات اليمين وذات اليسار، مع تعبيرات مختلفة للوجه ما بين العبوس والابتسام، والتنويع في نبرات الصوت ما بين الحماس والهدوء".. وبهذا الأداء المسرحي نجح بعض الشيوخ في سحر الناس وكأنه منوم مغناطيسي!..
•• ويستمر چوسا لوبون فى وصف الجماهير، فيقول أنها عاطفية وسهلة الانقياد، وتتصرف بشكل لا واعي وأفعالها غير نابعة من العقل ويمكن خداعها بسهولة، وأن لديها القابلية لتصديق الإشاعات حتى لو كانت غير منطقية وغير عقلانية!..
•• والجماهير شديدة التطرف في عواطفها.. فهي إما أن تقبل الفكرة قبولا تاما بلا قيد أو شرط، وإما ترفضها رفضا كاملا مطلقا.. فلا وسط لديها.. وهى شديدة التناقض وتنتقل من الرأي إلى نقيضه بمنتهى السهولة.. فيوما ما نجدها ترفع لاعب كرة قدم مثلا إلى أعلى عليين باعتباره نموذجا للشاب المكافح الذى شرف بلاده... إلخ.. وفى اليوم التالي تسبه وتلعنه وتهبط به إلى أسفل سافلين!
•• يحدد عالم النفس البولندى "سولمون أس" مفهوم "عقلية القطيع"، فيقول:
"هي قيام الفرد بفعل غير منطقي وليس له مبرر، وذلك فقط لمجرد أن جميع من حوله يفعلون ذلك"! ويقول: "إن الأغلبية لديها تأثير كبير على الفرد وأنها تحد من استقلاليته، وفى المقابل فإن الفرد بطبيعته يميل للتقليد، ولديه نزعة الخضوع والطاعة العمياء وتعطيل العقل وعدم التفكير النقدي"..
•• والقطعان تقدس رموزها الدينية وترفعهم إلى درجة العبادة، وتصدق كل ما تسمعه حتى لو تعارض مع العقل والمنطق (فمثلا على منصة رابعة في مصر قالوا للقطيع أن (محمد مرسي) صلى إماما بالناس جميعا بمن فيهم النبي ص نفسه! وصدّق القطيع أن النبي ص وقف خلف مرسي، وهللوا وكبروا)! وفى أدبيات جماعة خوّان المسلمين نجد القطيع يقدسون حسن البنا ويذكرونه أكثر مما يذكرون النبي ص، ويستشهدون بأقواله أكثر مما يستشهدون بأحاديث النبي ص..
•• يتمثل سلوك القطيع أصدق تمثيل في واقعة عجيبة حدثت في تركيا عام 2005، وملخصها أن خروفا قرر القفز من أعلى جبل ظنا منه أنه سينجو، وفورا وبلا تردد تبعه باقي الخرفان (حوالى 1500 خروف) وقفزوا جميعاً دون تفكير وماتوا كلهم!

وختاما، دعوة للمواطن، اقرأ وفكر وتعلم واستخدم عقلك، واكسر قيودك وكن نفسك ولا تكن واحدا من القطيع...

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي