كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الليلة الفاصلة بين عصرين.. ليلة وفاة عبد الناصر

صفوان زين

انفضّت سهرُتنا الشبابية وغادرنا منزل صديقنا في الاميركان بعد انتصاف ليل الثامن والعشرين من أيلول من العام ١٩٧٠.
كان عليّ كما كنت أفعل يومياً ان أجتاز المدينة من غربها الى شرقها كي أصل الى منزل أهلي قريباً من سفح القلعة.
أول ما استرعى انتباهي في ذلك الوقت المتأخر هو اختفاء الحراس الليليين بالكامل من شوارع المدينة وأزقتها، وثانيها هو اختفاء الجرذان التي ألِفتُ رفقتَها في كل ليلة أعود فيها متأخراً الى البيت، أما ثالثها وكان الأهم فهو أصوات التلاوات القرآنية المنطلقة من كل حدبٍ وصوب والتي كانت اصداؤها تعلو وترتفع كلما اوغلتُ شرقاً في احياء المدينة الشعبية. لم أصادف في طريقي في عتمة الليل شبحَ إنسان كي استطلع ما حدث، انتابتني خشية ورهبة، كان أول ما ورد الى ذهني ان يكون انقلاباً عسكرياً قد وقع جرياً على عادة قديمة في سوريا، إنما لماذا تلاوة القرآن؟
كنتُ قد أصبحتُ في عمق أزقّة العوينة، الأزقّة التي ألِفتُها منذ طفولتي المبكرة، أسرعتُ الخطى الى البيت وانا في أقصى درجات التوجس والتوتر، كان أول ما فعلته أني اندفعت بحركة عفوية الى جهاز الراديو في غرفة نومي، صُعقتُ لسماع النبأ، نبأ وفاة جمال عبد الناصر، كان قد فرغ للتو من وداع آخر الملوك والرؤساء العرب المشاركين في قمة عربية طارئة عقدت من أجل وقف حمام الدم الفلسطيني في الأردن عندما انتابته نوبة قلبية حادة لم يصمد لها، لم أتمالك نفسي من ان أعدو الى غرفة نوم والدتي كي أوقظها وأبلغها بالنبأ المفجع دون أدنى مراعاة لتقدمها في السن، انتفضت جالسةً في فراشها غير مصدقة، أتيتُ بالراديو الى سريرها وبدأنا نستمع سويةً من إذاعة صوت العرب الى تفاصيل ما حدث، غرق كلانا في وجومٍ عميق، لم نكن من عشاق عبد الناصر، أنا لم أكن مؤهلاً بحكم نشأتي وأجواء الحريات التي أحاطت بي مذ كنت طالباً في المرحلة الثانوية ثم الجامعية وما بعدهما لأن أؤيد نظامَ حكمٍِ كالذي أرسى عبدالناصر دعائمَه، كانت ظاهرة عبد الناصر مخالفة لقناعاتي، مع اعترافي بأني كنتُ في مرحلة من المراحل أسيرَ الكاريزما الشخصية التي كان يتمتع بها، شأني في ذلك شأن الملايين من أبناء هذا الوطن.
لم يغمض لي جفن في تلك الليلة، ولم أدع والدتي تنام، استعدتُ وإياها روايةَ المرحوم والدي عن استقبال عبد الناصر على رصيف مرفأ اللاذقية في زيارته الأولى في أعقاب قيام الوحدة في العام ١٩٥٨، وكان الوالد مشاركاً في الاستقبال بوصفه عضواً في مجلس إدارة مرفأ اللاذقية، انما دون حماس لزعيم لم يُكنُّ له يوماً كبيرَ إعجاب، يروي الوالد "كنا في مقدمة مستقبليه، مرت سيارته المكشوفة ببطءٍ شديد من أمامنا وقريباً جداً منّا، وجدتُ نفسي أندفع بحركة عفوية الى السيارة الرئاسية و أمد يدي لمصافحته فيستجيب بحرارة شديدة، "ولكنك لا تحبه"، "ما زلت لا أحبه انما في تلك اللحظة بالذات كنتُ تحت تأثير هالته الأسطورية"، سألته ممازحاً "وكيف وجدتَ مصافحَتَه هل تمتعت بها؟ "أجابني حرفياً": شدّ على يدي بقوة، يده كالمخباط، ما زالت يدي للآن تؤلمني، هذا ثمن مصافحة الزعماء التاريخيين!".
ما ان أهلَّ صباح التاسع والعشرين من أيلول حتى وجدت نفسي في الشارع أرقب الجموعَ التي خرجت للتعبير عن حزنها المقترن بالغضب من خلال العشرات من الجنازات الرمزية، كان شعوري في تلك اللحظة ان عصراً عربياً قد ُطويت صفحته الى الأبد هو عصر عبد الناصر. 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي