كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لغة الشعب الفنان

أحمد الخميسي- فينكس

 من يومين كنت جالسا ساعة العصاري في مقهى شعبي مجاور لمسكني. رحت أشرب القهوة بهدوء حتى أخذ شاب نحيف هزيل يدور حولي بمقشة وجردل مياه، وراح يكنس الأرض ثم يرشها بالمياه. ضايقتني حركته حولي فصحت فيه: "كفاية بقى"، فرفع رأسه مبتسما بسمة لطيفة وقال: "اكنس ورش.. الرزق يخش"!
وكلمة خش، ويخش، فصيحة ويقال: خش في البيت أي دخل فيه. وأخذت أتأمل حقيقة أن للشعب المصري لغة فنان يصوغ بها حتى خبراته البسيطة في سبيكة من القافية والوزن ليضمن بقاء خبراته حية سهلة التناقل.
وقفزت إلى ذاكرتي عبارة قرأتها مخطوطة على ظهر "توكتوك": "دي مش جاية ورث.. دي جاية بخلع الضرس"! ومثلها: "ما حدش باقي لك.. غير دراعك يشيلك"!
وصياغة تلك الخبرات في سبيكة لغوية محكمة يقطع بأن الفن يجري في دماء وروح وتاريخ هذا الشعب الجميل. خلال ذلك لا تفارق الشعب روح الدعابة والنكتة.
وقد كتب أحد الباعة على جانب عربة كبدة يقف خلفها: "كبداكي"، على وزن "كونتاكي"، بينما استلهم آخر اغنية أم كلثوم "ماخطرش على بالك يوم تسأل عني؟"، فغير العبارة وكتبها: "ما خطرش على بالك يوم تفطر عندي؟".
وفي تلك العملية الابداعية اليومية يتم الاعتماد على تداعي معاني الكلمات، والجرس المشترك، مثلما فعل سائق سيارة نقل كانت تحمل زلط، وقد كتب على ظهر السيارة: "طوب علينا يارب"! مستدعيا إيقاع ومعنى الجملة الشهيرة: "توب علينا يارب".
وخلال ذلك الابداع المتصل، الذي تنشره فقط خلفيات السيارات، وأرصفة المقاهي، يلجأ الشعب إلى تسهيل نطق الكلمات، حتى لو أدى ذلك أحيانا إلى تشويه المعنى الأصلي، كأن يقول: كذب المنجمون ولو صدقوا، وليس للجملة معنى بهذه الصياغة، أما أصلها فهو: "كذب المنجمون ولو صدفوا" أي ولو تصادف وقوع ما قالوه. لكن جملة "ولو صدفوا" أسهل في النطق من "ولو صدقوا".
وقولهم الرائج: "فلان ثور الله في برسيمه" ليس لها معنى أيضا، أما أصلها وصحتها فهو: "ثور لاهي في برسيمه"، لكن لأن التوقف عند كلمة "لاهي" صعب فقد تحولت إلى الأسهل.
وبنفس منطق تسهيل النطق لتسريع التداول، صرنا ندلل كل من كان اسمه مصطفى بقولنا "درش"، وهي تحريف لكلمة درويش نقلا عن إحدى الطرق الصوفية التي كانت تطلق على الفرد من جماعتها "درويش".
ويقولون: "عمى حيسى " أي عمى شديد، وهي تحريف لكلمة "عمى حسي" أي العمى الذي يصيب الحاسة، البصر، تمييزا له عن عمى البصيرة.
أما الكلمة الأكثر شيوعا عندنا وهي كلمة "أيوه" فهي بدورها تحريف لكلمتي: "أي والله"، ببساطة لأن "أيوه" أسهل.
وقد يكون من المهم دراسة تحولات معاني الكلمات ومشتقاتها في عمل علمي مستقل، يستخلص لنا القوانين التي تقوم عليها لغة الشعب الفنان، الجميل، الذي تظل تعشقه وتجله حتى وهو يحرف الكلمات ليصل إلى ما ينشده.
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي