كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شهرُ رمضانَ السوريِّ الحُرِّ

المهندس باسل قس نصر الله

إنها ذكرياتُ طفلٍ وواقعُ رجلٍ مسيحيٍّ رمضانُ في سوريةَ ليس كأيِّ رمضانَ في بقيَّةِ الدُّولِ، فهو شهرٌ تتداخلُ فيه الرُّوحانيَّةُ مع النَّسيجِ الاجتماعيِّ المتنوِّعِ، حيثُ لا يَقتصرُ على المسلمينَ وحدَهم، بل يتحوَّلُ إلى موسمٍ يحملُ طابعًا سوريّاً خالصاً، يَجمعُ مختلفَ الطَّوائفِ والمذاهبِ، من مسلمينَ ومسيحيِّينَ وإيزيديِّينَ وزرادشتيِّينَ، ومن الدُّروزِ إلى الإسماعيليِّينَ والعلويِّينَ والمرشديِّينَ، وغيرِهم ممَّن يُشكِّلونَ لوحةً سوريَّةً لا مَثيلَ لها.

كبرتُ في هذه البيئةِ، وكنتُ طفلاً مسيحيّاً يَترقَّبُ رمضانَ بشغفٍ، ليس لأنَّني كنتُ أصومُ، بل لأنَّ أجواءَه كانت ساحرةً، تَغمرُ الشَّوارعَ بروائحِ السوسِ والتَّمرِ هنديٍّ وقمرِ الدينِ، وتملأُ الأزقَّةَ بأصواتِ الباعةِ والمُسَحِّراتيَّةِ، وكنتُ أعتقدُ أنَّ رمضانَ لا يأتي إلَّا في الصيفِ، فقد ارتبطتْ ذكرياتي به في أيَّامِ الحرِّ، حيثُ كنتُ ألهو مع أصدقائي المسلمينَ، أُراقبُهم وهم يَنتظرونَ أذانَ المغربِ، وأفرحُ معهم حينَ يحينُ وقتُ الإفطارِ.

لكنَّ رمضانَ السُّوريَّ تغيَّرَ. كان في الماضي يَعني التَّآلفَ والفَرحَ، وصارَ اليومَ شاهدًا على الفقرِ والتَّشرُّدِ والجوعِ. الموائدُ التي كانت تَلمُّ العائلاتِ باتت ناقصةً، وكثيرونَ باتوا يَبحثونَ عن لُقمةٍ تَسدُّ جوعَهم بدلاً من انتظارِ أذانِ المغربِ حولَ طاولاتٍ عامرةٍ. الحاراتُ التي كانت تَضجُّ بالحياةِ أُطفئت أنوارُها، والمساجدُ التي كانت تَكتظُّ بالمُصلِّينَ، صارَ بعضُها خراباً، وأخرى خَلتْ من أهلِها الذينَ تَهجَّروا أو قُضوا تحتَ الأنقاضِ.

لكنَّ السُّوريِّينَ لم يَفقدوا روحَهم، رغمَ كلِّ شيءٍ. بقوا يُحاولونَ التَّمسُّكَ بما تبقَّى من رمضانَهم، وكأنَّهم يُؤكِّدونَ أنَّ الحربَ قد تَسرقُ منهم كلَّ شيءٍ، إلَّا هويَّتَهم. بقيتْ رائحةُ المعروكَ تفوحُ من بعضِ المخابزِ، وإنْ كانت أقلَّ انتشاراً. بقيتْ بعضُ الأيدي تَمتدُّ للمساعدةِ، رغمَ ضيقِ الحالِ. بقي المُسَحِّرُ يَجوبُ الشَّوارعَ، حتَّى لو لم يَكنْ هناكَ الكثيرُ لِيَستيقظوا على نِدائهِ.

إنَّه رمضانُ الثَّورةِ، رمضانُ الصَّبرِ والمُعاناةِ، رمضانُ من فَقدوا بيوتَهم ومن فَقدوا أحبَّاءَهم، لكنَّه أيضًا رمضانُ من لم يَفقدوا الأملَ. وكأنَّ السُّوريِّينَ يُعيدونَ إحياءَ معنى الآيةِ الكريمةِ: "لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" (آل عمران: 169). ماتَ كثيرونَ، لكنَّ ذكراهُم ما زالت حيَّةً، في بيوتِ أهاليهِم، في الشَّوارعِ التي مَشوا فيها، في رمضانَ الذي كانوا جزءًا منه.

رمضانُ السُّوريُّ لم يكنْ يوماً مجرَّدَ شهرِ صيامٍ، بل كان دائماً فصلاً من فصولِ الحياةِ في سوريةَ. واليومَ، صارَ فصلاً من فصولِ الثَّورةِ، فصلاً من فصولِ الحنينِ، لكنَّه أيضاً فصلٌ من فصولِ التَّحدِّي، حيثُ ما زالَ السُّوريُّونَ يُقاومونَ، لا ليَحصلوا على طعامِ الإفطارِ فحسبُ، بل ليَستعيدوا بلدَهم الذي كان يَجمعُهم، قبلَ أن تُفرِّقَهم الحربُ.

فارفعْ رأسَكَ فَوقَ، إنَّه رمضانُ السُّوريُّ الحُرُّ.

اللهمَّ اشهَدْ أني بَلَّغْتُ.

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي