كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شرشبيل والسنافر الحكومية

باسل قس نصر الله
عندما كنّا في المدرسة، كان أستاذ الجيولوجيا يرمينا - بكل محبةٍ أكاديمية - بأحجار العصور المتلاحقة: من الجليدي إلى الحجري، ثم البرونزي، فالنحاسي، فـ"ما قبل التاريخ"، حتى صرتُ أظن أننا كنا نعيش في عصر "ما بعد الصبر".

وللأمانة، فقد مات أستاذي المسكين قبل أن يعرف أن العالم بات في عصر المعلوماتية، وأن أميركا سبقتنا إلى ما بعد المعلوماتية في ما يسمونه "العصر التكنوتروني"... بينما نحن في "حلب" – مدينة العجائب والغرائب – اخترعنا عصراً جديداً تماماً: العصر الحَطَبي.

لا تستهينوا بالاسم، فهذا العصر في سنوات حكم "شرشبيل" كان يتميّز بإنجازات عظيمة، مثل انتشار بسْطات "البسكويت وربطات الخبز والدخان والفواكه وبراكات القهوة وحطب التدفئة"، التي زيّنت الأرصفة كما تُزيّن السجادة الحمراء في مهرجان "كان" السينمائي.

كل رصيف صار مولاً متحركاً، يختصر عليك "النطوَطَة" والتسكع من سوق لآخر، فالمواطن الحلبي – ابن الحرب والبرد والمولدات – صار "زبوناً" دائماً لاقتصاد الرصيف.

أما عن البنزين، فقد تحرر بدوره من احتكار الكازيات، ودخل عصر "التحرير الليبرالي"، إذ صار كل مواطن يملك غالوناً يمكنه أن يصبح بائع بنزين، يُدلِّل على بضاعته كما تدلّل العروس على مهرها، لدرجة أن أحدهم قال لي بثقة: "والله عم ببيع بنزين متل زيت الزيتون"... بقي فقط أن يضع عليه ختم "عصرة أولى باردة".

أما السنفور المضيء – وزير الظلمة – فكان نجم شتائم المواطنين بلا منازع، حتى أنني أقترح ترشيحه لموسوعة "غينيس" كأكثر شخصية تم شتمها في تاريخ البشرية، متفوقاً حتى على شرشبيل نفسه، مع العلم بأنه في رحلاته المدرسية مع رفاقه السنافر إلى حلب، قال انه لا يملك شارباً وإلّا كان حَلَف عليه بأن الكهرباء ستتحسن، وعندها توجّهت لأشتري سماداً عساني أرسله من أجل شاربيه.

ولأن حكومتنا السنفورية لا تنام إلا وهي تحلم بحلول سحرية، فقد هبطوا علينا من جبل العاصمة في زيارة مفاجئة إلى حلب. جاءونا "سنفور مضيء وسنفور مفكر وسنفور مزارع وسنفور غضبان وغيرهم من السنافر الحلوين، جاءونا بأناقتهم المعهودة، وبدلاتهم اللامعة، وروائحهم التي تغطي رائحة النفايات في بعض الحارات.

وقف "رئيس المخفر" ، ليعلن – بوقار مزيّف – عن محبة "شرشبيل" لنا "وهي مقدمة ضرورية لكل شيء حتى ولو كان طهور "ابن المختار"، وتابع بأن "الفرج قريب" وأن السنافر يفكرون ليل نهار من أجلنا. ولو زاد قليلاً في الأداء، لخلنا أننا نتابع حلقة من برنامج الأطفال: "أحبّاؤنا الصغار ... نترككم مع ساعة كاملة من السنافر".
يا سادة، لسنا بحاجة لساعة سنافر، بل كنا نحتاج إلى ساعة كهرباء، وساعة ماء، وساعة صدق، وساعة كرامة.

اليوم وبعد التغيّرات، ما زلت أرجو من الله أن يتوقف نهر الدماء، وأن تتوقف طاحونة الخراب ومثلما لمستُ أفقاً من البناء بدأ يقتحم، هذا البلد الذي – رغم كل شيء – لم أشعر فيه يوماً أنني مجرد رقم، بل إنسان، مواطن، مهما كان ديني أو عرقي، مع الكثير مما حدث وآمل أن يزول.

قال الله تعالى في الحديث القدسي:

"كلكم ضالٌ إلّا من هديته، فاستهدوني أهدِكم"

صدق رسول الله.

فهل بلّغت؟

اللهم اشهد أني قد بلّغت. 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي