كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مرّةً ثانية في حضرة الشهيد الشيخ شعبان منصور (ق)

عبد الكريم الناعم

 • كتبتُ قبل هذه المرّة عن الشهيد الشيخ شعبان منصور(ق)، وها أنا أعود مرّة ثانية، وربّما كرّرت بعض ما ذكرتُ من قبل، مضافاً إليه ما لم أقله من قبل.
• انتشرتُ في بعض الأوساط السوريّة سيرة ذلك الشيخ من خلال ما قدّمه من نماذج الخدمات العامّة في محيط الناحية التي هو فيها، حتى أن أحد الضباط الروس الكبار، الذين كانوا في سوريّة قد زاره، لكثرة ما سمع من مديح له من عامّة الناس،
• من مُنجزاته:
- بناء مركز للناحية عبر جمع التبرّعات من الناس الذين وثقوا به ثقة مطلَقة، منهم مَن تبرّع بالمال، ومنهم مَن تبرّع بالجهد، ومنهم مَن تبرّع بتقديم الآليّات، وهنا لا بدّ من الإشادة بما قدّمه أهل "الصقيلبيّة" و"محردة"، من آليّات يمتلكونها، وآسف أن ألجأ لهذه اللغة، فأقول فضْحاً للتّسعير المذهبي الضيّق، الذي أفشتْه عقول قاصرة، محقونة، لأهداف ليست وطنيّة.. أقول إنّ سكّان هاتين المدينتين هم من أهلنا المسيحيين،
- بنى مدرسة ثانويّة، وسمّاها باسم أحد شهداء المنطقة الذين تصدّوا للهجمة التي اندلعت نيرانُها عام 2011، ولا يحضرني اسمه الآن، وهو ابن العلاّمة العرفانيّ الشيخ عبد الهادي حيدر (ق).
- أجرى اتصالات مع الجهات المسؤولة في عهد النظام السابق لبناء مشفى، فليس في تلك الجهات كلّها مشفى يخدم المنطقة، وعلى مَن يمرض أن يذهب إمّا إلى "مصياف" أو إلى مدينة "حماه"، فأعطوه وعداً إنّه إذا بنى المشفى، فسيقومون بكسوته، وتزويده باللوازم الطبيّة، وبالأطبّاء، وحين انتهى من بناء المشفى، وكان يعمل مع المتبرّعين بالعمل بيديه كواحد منهم، وانتهى البناء، وحين راجع المسؤولين في المركز بدمشق، للوفاء بما وعدوا، تنكّروا لأقوالهم، وما يزال المشفى قائماً كبناء.
- سيرة هذا الشيخ حفزتني لزيارته، فذهبتُ برفقة ابني، فوجدناه جالساً فيما يمكن أن يُطلَق عليه تجاوزاً اسم صالون، مفتوحة إحدى جهاته بالكامل، وقد امتلأ بكراسي متواضعة كتواضع صاحبه، وكتواضع البناء ذاته، وبعد السلام جلستُ أستمع إلى حديثه، كان حديثا عامّا يحضّ على مكارم الأخلاق، والاستقامة، والإخلاص لله وللوطن، دون تمييز، وركّز على دور الأجيال الشابّة في ذلك، وهنا قاطعتُه بلطف، وقلت: "سيدي هل هذا دور هذه الأجيال أم أنّ ثمّة أناساً عليهم أن يتحمّلوا جزء من هذه المسؤوليّة"، وكنتُ أعني رجال الدّين تحديداً، فالتقط الإشارة وقال بحزم: "الرّاضي بشيء كفاعله"، وفهمَ كلانا الآخر،
هنا لا بدّ من ذكر أنّ شيخنا الجليل كان قد تعفّف، منذ زمن، عن قبول ما يُقدّم لأمثاله من رجالات الدّين كأموال يعتبرونها زكاة، وطلباً للدعاء، وتبرّكاً، وكان يعمل بيده في أرض صغيرة له، ويأكل من كسْبها،
قمتُ فودّعتُه، وأراد أن يشيّعني فأصررتُ على أن يبقى في مكانه، وبعد خطوات سمعتُ صوتاً يقول لي: "الشيخ يمشي وراءك"، وكنتُ قد صرتُ خارج الباب المؤدّي إلى البيت فالتفتُّ معتذرا، وعاودتُ مصافحته، فأمسك بيدي، ونظر في وجهي بعينيه العميقتين، وقال لي بالحرف: "يا عبد الكريم، الله يُحْسِن حال وقوفك بين يديه"، فاغرورقت عيناي بالدمع،
-أحد محبّيه من الشباب، ظنّ أنّه يكتب الشعر، فكتب له قصيدة فيها الكثير من الأخطاء اللغويّة، والعروضيّة، وقدّمها له، فقرأها، وبكلّ أدب قال له: "طيّب الله عيشك، فيها من الحبّ أكثر ممّا فيها من الشعر".
-مرةً ثانية ذهبنا لزيارته، وكان قد انتقل من بيته في "الصقْليّة"، المجاورة لبلدة "سلحب"، وأقام في بيت صغير له قريبا من المشفى الذي ذكرنا، أثناء إنشائه، وهناك وجدناه يلبس حذاء بلاستيكيّا، ذا ساق طويلة، وبيده (كْريك) يجبل به الرمل والحصى والاسمنت، وغبار العمل عالق بكلّ ثيابه، وحوله عمّال آخرون، وحين رآنا غسل يديه، وهيّؤوا لنا كراسي، وامتدّ الحديث أكثر من ساعة، وكانت الأمور التي فتحنا بابها تتعلّق بمسائل فكريّة روحية، دينيّة، تربويّة، اللآفت أنّه كان يتكلّم من شواسع سافر فيها، تأمّلاً، وصياغة، حتى لكأنّك تسمعها لأوّل مرّة، رغم أنّ بعض مضامينها ربّما قرأتَها، فكأنّها انسكبتْ في روحه، فعايشها، وعاش بها، وأعاد نسْجها بحسب حساسيته فبدتْ جديدة كلّ الجدّة، بعد أنْ مرَّرها في موشور روحه، وكان بين الجملة والجملة يتوقّف قليلا فيلتفت، أو يغيّر زاوية النّطر، فتتألّق عيناه الخضراوان الممزوجتان بدُكْنة، يحيط بهما تلك السّمرة الغامقة قليلا،
كان وهو يزدلف من الثمانين يُمسك بمهدّة وزنها ثلاثة عشرة كيلو غراماً، ويضرب الحجارة ليكسرها لتكون صالحة للبناء،
-وُجِد أحد أبنائه مقتولاً في أحد الحقول، فكان يضرع إلى الله كيلا ينكشف القاتل حتى لا يكون وليّ دم.
-في الجهة الشمالية من سكناه كان ثمّة أناس من أصول بدويّة، يملكون مساحات من الأرض يفلحونها كمزارعين مستقرّين منذ أجيال، وحين اندلعتْ نيران عام 2011 أعلن بصوت قويّ حازم، أنّ مَن يتعرّض لهؤلاء الجيران فكأنه يعتدي على حرمة لآل بيت رسول الله، فلم يمسّهم أحد بأذى، ومن أسف أنّ بعض هؤلاء شاركوا، فيما بعد، لافي قتْل جيرانهم فحسب، بل وثمّة مَن أُرسِل منهم لفزعة "السويداء"!!
-في سنواته الأخيرة أصيب بمرض جعله يُلازم البيت، ويعتذر عن مقابلة الناس، حتى جاء إليه مَن جاء من المسلّحين، وقتلوا ابنه أمام عينيه، ثمّ أطلقوا النّار على رأس ذلك الوليّ الطّاهر، تغمّده بواسع رحمته، وأسكنه فسيح رضوانه، قتلوه وهو قد تجاوز الثامنة والثمانين من عمره، وهو الذي لم يُشهر كلمة جارحة في وجه أحد،.. قتلوه (مُقتنعين)!! أنّ إراقة دمه ستحملهم إلى جنّات الله!
فتأمّل، ولا تتعجّبْ،
-اللهم احفظ وحدة هذا البلد، واهْدِ مَن أخذتْه حميّةَ جاهليّةٍ ليست من الإسلام المحمديّ في شيء، وقدّس روح ذلك الشيخ الشهيد، وعجّل بالفرج يا ربّ العالمين...
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي