كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مصير دمشق

ناديا خوست

تعاني دمشق الآن من العطش. شربت نبع بردى ثم جفّ نبع الفيجة. ولا يدرس مختصون حفر الآبار التي تستنزف المياه الجوفية. مع ذلك، يحلم بعضنا بنصب الأبراج، وحشد الفنادق بدلاً من تثبيت الريف البعيد بمشاريع الخدمات والإنتاج للتخفيف عن مدينة يعيش فيها الآن ثلث سكان سورية تقريباً.
نعود بالذكرى إلى دمشق التي عرفنا في طفولتنا ظلالها، يوم كانت مدينة لسعادة الإنسان. ايقاعها صوت الماء في الطوالع والبحرات. تنشر سطوحها للشمس وتحتمي بغوطة شاسعة. تخفي بيوتها ذات المياه والأشجار بما يشبه قشرة الرمان. وتعلن زينة أبنيتها التاريخية لتربي الذوق العام حيث يتجمع الناس. وتحمل ذوقها إلى أحيائها المخضرمة.
قدّرت هذه المدينة ضرورة الخضرة والماء والأزهار للإنسان. وأبدعت له في الخشب والطين والرخام زخارف جعلت الفنون وسط حياته اليومية. جمعت تكتّم الظاهر الذي يحتاجه التضامن بين الأغنياء والفقراء، إلى رحابة الباطن الذي يمتع بجنتها. سترت كنوزها بجدرانها وهي تتذوق العطر والصوت والظل والهدوء والنظافة وعبق الطعام. تكشف بواجهاتها استمراراً حضارياً في عصور. فتصحّ ملاحظة مارك توين الذي زارها في سنة 1867: "دمشق هي الخلود".
تجمع لك دمشق الزمان: بقايا معبد حدد وباب كيسان، المسجد الأموي والتكية السليمانية، الجقمقية والمدرسة الشامية، جامع الحنابلة وجامع الشيخ محي الدين، البيمارستان النوري والقيمري، العادلية والظاهرية، أضرحة نور الدين وصلاح الدين والعادل والظاهر بيبرس، قبر معاوية المتواضع المتخفي. ومجد بني أمية الذين أسسوا أول دولة عربية. طيف رأس آخر الملوك الأيوبيين، المعلّق على باب الفراديس. شعور النساء المقصوصة لتستعمل في الأسلحة لرد الغزو الفرنجي في زمن الملك العادل. أمّ شمس الملوك التي قتلت ابنها لأنه تعاون مع الفرنجة.
استندت الرؤية المعمارية التي شيدت المدينة إلى احترام الماء. أجرت الماء بمعايير دقيقة على الحارات والبيوت والبساتين. ووظفته في التبريد في صيغ جمالية. وعوّدت احترام الأنهار، وحددت مواسم تنظيفها. عزلت مياهها المالحة عن مجرى النهر والسواقي، فجعلته يجري تحت الأنهار لا فيها ولا فوقها.
قال ياقوت الحموي (1178 – 1229م): "ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها، كثرة الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها. فقلّما تمر بحائط إلا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يَشرب منه ويَستقي الوارد والصادر. وما رأيت بها مسجداً ولا مدرسة ولا خانقاً إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان".
من تلك العلاقة بين العطش والريّ بقي حتى اليوم باعة العصير الذين يعلّقون عناقيد العنب والبرتقال والليمون على واجهاتهم، ونداءاتهم عن شراب عرق السوس والعيران والرمان والتمر الهندي والتوت الشامي، وإبريق شراب القمر الدين في رمضان! وبقيت في الذاكرة الورود التي تمر في ساقية أرض الدار، رسالةً من الجيران.
من هذه المدينة بقيت ظلال فقط. لأن الجهل والجشع ومخطط ايكوشار، الذي استقدمه السيد عبد الرؤوف الكسم، دمّر توازنها البيئي وغرس أبنية فوق بساتينها. هدمُ جامع يلبغا إحدى تلك الجرائم. "إعادة الإعمار" تعني لنا إذن حماية ما بقي من هويتها العربية، حماية فضائها العام، وفراغاتها، وواجهات أحيائها المخضرمة. تريد وزارة السياحة فنادق؟ يمكن ترميم بناء العابد ليصبح فندقاً. وترميم بيوت حي الحلبوني الجميلة المهملة لتكون فنادق. أما سكان المدينة فيحتاجون حديقة قرب محطة الحجاز بديلاً عن المقهى الذي صار فندقاً. ترميم بناء السرايا الذي يجسد ذاكرة تاريخية. تحويل أرض معرض دمشق الدولي القديم إلى حديقة كبرى. حماية ما بقي من بساتين الصالحية أبي جرش كرئة خضراء في شرق المدينة. لا تحتاج دمشق مسيرة الفنادق التي أوقفها الرأي العام سابقاً، بل استقدام مشاريع الترميم وتحويل الفراغات الباقية إلى حدائق، وحماية الماء من الاستنزاف.
 
 
 
 
 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي