كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من الذاكرة 8

عبد الكريم الناعم

في العام الدراسي 1959-1960 نُقلتُ، بعد وساطة إلى بلْدة خان شيخون، ولكي أرسم صورة مصغَّرة، معبِّرة عما كانت عليه الأمور أسوق المعلومات التالية، للمقارنة، وللتفكّر، وللتأمّل والتّذكّر،
كانت أوقية اللحمة في ذروة غلائها بخمسة وستين قرشا، وفي بقيّة أيام العام لا تتعدّى خمسة وأربعين قرشا، وكان معلاق الذبيحة الغنم، بكامله غير منقوص بمائة وخمسة وسبعين قرشا،
أراني الآن أتحدّث كما كان يتحدّث آباؤنا وأجدادنا يوم كانت الأسعار بالقرش التركي، فوالدي رحمه الله وامواتَكم، حدّثني أن أوّل أجر تقاضاه عن عمله في شركة سكّة حديد سورية ولبنان، -هكذا كان اسمها- في ثلاثينات القرن الماضي، كان مائة وخمسة وسبعين قرشا سوريّا، وكانت كافية لسداد المعيشة، وربّما استطاع البعض التوفير منها،
الآن أحفادي ربّما قالوا عن ماذا يتحدّث هذا الشيخ؟!!
أتحدّث في هذا لأشير إلى أنّ الاقتصاد العالمي إذا ظلّ مُسيطَرا عليه من قبل الرأسماليّين النهّابين، والشركات، ومراكز القوى التي لا تعرف ديناً غير تحقيق الأرباح، ولو على حساب كلّ القيم الأخلاقيّة.. إذا استمرّ هذا فلا نعلم إلى أين سيصل أبناء هذا الكوكب في مواجهة التضخّم، الذي تغذّيه، وتقتات عليه المراكز الرأسماليّة، بمن يتْبعها، لا سيّما في بلدان العالم الفقيرة،
في ذلك العام، لم أعدْ أذكر كيف كتبتُ مسرحيّة يمثّلها طلاّب الصفّ الخامس الابتدائي، ولكنّني أقدّر، وأنا متاكّد من أنّها كانت مسرحيّة وطنيّة، وكان مَن لعب دور البطولة فيها طالب فارع الطول مجتهد، مميّز في دروسه،
لا يفوتني أن أذكر أنّ بلدة خان شيخون كان فيها قبل الوحدة مع القاهرة ثلاث كُتل فاعلة، اجتماعيّا، وسياسيّا، كتلة ما يسمّون الإقطاعيّين، وبينهم مَن لا يملك أكثر من قوت يومه، وهو مصنَّف على الاقطاع! كتلة البعث العربي الاشتراكي، وهذه كانت في الجهة الغربيّة من البلدة، وكُتلة "آل القطيني" التي وقفت على الحياد بين الكتلتين، وبعد قيام الوحدة مع مصر اعتمدت السلطة عليها، فأبرزتها كبديل للاثنتين، وما ذكرناه ليس إلّا مؤشّرا على تسيير الأمور، وعلى العقليّة التي كان عليها أن ترتقي إلى مستوى التعامل مع أوّل وحدة عربيّة في تاريخنا الحديث، فتُرك الأمر لمن أثبتت الأيام أنّهم لم يكونوا جديرين بشرف الدفاع عن ذلك المبدأ، ليس هذا فحسب، بل بعضهم انقضّ على الوحدة ففصمها، وكان من الموثوقين، المؤتمَنين!
في سبعينات القرن الماضي كنتُ موجّها في إعداديّة عزّت الجندي الكائنة في باب تدمر، وكنت يوميّا أخرج مشيا من حيّ النزهة حتى باب تدمر، بنشاط وهمّة، أنا الان الذي لو ملّكته كلّ ما يقع على ذلك الطريق، شريطة أن يمشي هذه المسافة لعجز!!
جاء الآذن وقال إنّ المدير يريد أن يراني، هبطت من الطابق الثاني، وقصدتُ الإدارة، وسلّمت على المدير، وعلى ضابط كان معه برتبة ملازم ثان، وسألت المدير ماذا يريد منيّ، فابتسم، وأشار إلى الضابط، فابتسم الضابط، وقال هل نستطيع الكلام خارج الإدارة، فخرجتُ وتبعني، وحين وقفنا بعيدا بحيث لا يسمعنا أحد سألتُه: "خير إنْ شاء الله؟ فاتّسعت ابتسامته وقال: "هل تذكر خان شيخون"؟ قلت: "كيف لا أذكرها"؟ قال هل تذكر التمثيليّة التي كتبتَها وأخرجْتَها، وعهدتَ إليّ بالدّور الأوّل فيها"؟ فجأة بدأت تنقشع الصورة، وتابع: "أنا ضابط هنا في إحدى القطعات العسكريّة، وفي كلّ يوم أراك وأنا في الباص تقطع هذا الطرق، اليوم قرّرت أن آخذ إجازة لأزورك فقط،"
طلاّب هذه الأيام، هل فهمتم شيئا ممّا قيل؟!
.......................................
نشر في صحيفة العروبة في 4/2/2019
 
 
 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي