كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من الذّاكرة 9.. الراديو

عبد الكريم الناعم

في أوائل خمسينات القرن الماضي لم يكن الراديو موجوداً في كلّ البيوت، كان القادرون على شرائه يشترونه، وبعضهم كان يعلّي صوته مباهاة وشوفة حال، ليسمعه الجيران، وما زلت أذكر أنّ نتائج فحص الكفاءة كانت تُذاع في الراديو، ولما لم يكن لدينا راديو، فقد ذهبت لأستمع إلى النتيجة في بيت أحد الأصدقاء، وحينما سمعت اسمي أحسستُ ببرْد في مفاصلي، فلم أكن من المجدّين دراسيّاً، كيف كنت أنجح لا أعرف، المهمّ أن لا أرسب، كان في داخلي الكثير من التشويش الذي يحتاج إلى ضبط، بين المراهقة، ودبيب الشعر، وحبّ كتب الأدب ولا أستطيع شراء كتاب،
كنّا نحاول تقليد مَن نراهم كباراً، وصاحب رأس المال لا تعرف كيف تهبط عليه أفكار ما يزيد أرباحه، فقد كان في الشارع الموازي للشارع الرئيسي في باب السباع من الجهة الشمالية صاحب محلّ كبير، فيه صنوف مختلفة من الكهربائيات، أرجّح أنّ اسمه الحاج فوزي القصيرة، وكان يؤجّر بعض أجهزة الراديو لمدّة يوم، وكنت وصديقا من أصدقاء تلك المرحلة نتعاون على دفع نصف ليرة سورية، أو ثلاثة أرباع الليرة، لم أعد أذكر، ويعطينا جهازاً في الغالب مفاتيحه تحتاج لصبر أيوب، ولا يخلو من ماس كهربائي في جهة من جهاته، كنا نجلس، ونركّز الجهاز، وبجانبنا إبريق الشاي، وعلبة الدّخان، ونبدأ بتقليب المحطّات، وأكثر ما كان يشدّنا برنامج ما يطلبه المستمعون، من نافذة تلك العلّيّة في بيت صديقي نطلّ على مقبرة، ما همّ، نحن ما نكاد نرى الخارج أو نتنبّه له فنحن مشغولون بالأغنية التي تُبثّ، أو بهواجس المشاعر وما يملأ فضاء المراهق من أحلام، وكان علينا أن نعيد الجهاز بعد عدد من الساعات، المهمّ أنّنا امتلكناه لو لبضع ساعات، امتلكناه بالأجرة!
حين اشترى والدي رحمه الله مذياعا بالقسط عمّت البيت فرحة حقيقيّة، وقد دفع كدفعة أولى خمساً وعشرين ليرة سوريّة، على أن يدفع في كلّ شهر خمس عشرة ليرة سورية كلّ شهر حتى يسدّد ثمنه، وكان ذلك يُقتَطع من ضروريات حياتنا، صمدْنا المذياع في صدر (المشربيّة) العلوي، وكانت أمي رحمها الله تقتطف ما تيسّر من أوراق وأزهار حديقتها، وتضعها في كأس وتقرّبها من المذياع حتى لربّما خيّل لمن يرى ذلك أنّ المذياع يتمتّع بشميم ما في الكأس،
لم يطل الوقت حتى عرفنا بعد فترة ليست ببعيدة أجهزة الترانزستور، وكان حمْلُه زينة، وإنْ كانت زينة باهتة، وأعطى لمحبّي التباهي فرصة أن يحملوه باليد، ويسيرون في الشارع والراديو يبثّ ما يبثّ!
ماركة الراديو الكبير الذي كان عندنا هي "سييرا"، وقد بقي طويلا، وحين طغى التلفزيون على ما عداه، وصارت حاجتنا للراديو نادرة، وبعد انتشار الترانزستور، أذكر أنّ ابنتي الكبيرة بعد أن تزوّجت طلبتْه لتضعه كديكور في بيتها، وهذا ما كان، وما أدري ما إذا كان موجوداً حتى الآن،
سقْياً لأزمنة البساطة لا لأزمنة الفقر، وسُقْياً لأحلام تلك الأيام على بساطتها وعفويّتها،
قرائي الكرام حين نعود إلى شيء من الماضي فليست رغبة في القصّ، بل على أمل أن يستفيد منها أجيال اليوم، هذا إذا كانوا يقرؤون... 

صحيفة العروبة في 11/2/2019

 
غسان الشامي: تلبيسة والرستن ويوحنا إبراهيم.. شهادة للتاريخ القريب والحزين وللنصر
أُبيّ حسن: على هامش تجربتي في الإعلام الالكتروني
كتب مروان حبش: قصة عيد الأم
فينكس ينشر الترجمة الحقيقية والكاملة للمناظرة بين ارينست رينان وجمال الدين الأفغاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثالث والأخير
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الأول
د. أحمد الخميسي: هل نطالب الأزهر بتكفير داعش؟!
د. عماد فوزي شعيبي يكتب عن الطفل الذي سيحارب عندما يكبر.. محطّات في الذاكرة (حرب تشرين)1من2
الآرامية التائهة غادة السمان الأديبة السورية غادة السمان تخرج عن صمتها برسالة مدوية وصادمة بصراحتها للشعب السوري
محطّات في الذاكرة.. "بعض مما...", بقلم الروائي غسّان كامل ونوس
محطّات في الذاكرة.. إعلام وسياسة.. حازم مبيضين
محطّات في الذاكرة.. بين الحنظل والرحيق بقلم الشاعر علي كنعان
محطّات في الذاكرة: السياسي والصحفي في سورية.. علاقة مقطوعة منذ الستينات! بقلم عماد نداف
محطّات في الذاكرة.. د. أحمد عمران الزاوي