كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من الذّاكرة 12.. من أيام الجنديّة

عبد الكريم الناعم

ين عامي 1956-1957 كنت مجنّدا في دمشق أؤدّي خدمة العلم، وكان مبيتي في مكان اسمه "سريّة المقرّ العام"، وكان مهجعنا في الطابق الثاني، مفتوحاً على قاسيون، وفي الليل تتقاطع آفاقه مع مقصف يقع في الجهة الشماليّة الغربيّة منه، وهو مقصف لا يرتاده إلّا الأغنياء، حيث تصلنا في الليل أصوات الغناء الغربيّ الهادئة، يوم كان الهدوء سمة في الغناء، وقبل أن تكتسحنا موجة الغناء الصاخب، المدمّر لخلايا الدّماغ، وللذائقة العامّة، ويكفي للتدليل على ذلك ما يشكو منه أصحاب الذّوق الرفيع في الاستماع،
في الجهة الجنوبيّة من ذلك الموقع كانت الغوطة تمتدّ جنوبا وغربا حتى تلامس موقع مطار دمشق القديم، وتتّسع باتجاه الشرق حتى تتقاطع مع الغوطة الشرقيّة، وليس غرب ذلك المقرّ إلّا بناءان، حيث تتلاصق الآن فروع كليّة الهندسة، وكم استظللنا بظلال تلك الغوطة التي غلبت على ما يجاورنا منها أشجار الزيتون، والتي أصبحت الآن لا أثر ولا عين،
كانت خدمتي في مقرّ رئاسة الأركان القديمة، قرب فندق الشام الآن، وكنتُ مُبدَلاً، أي يعطونني مبلغ خمس وأربعين ليرة كلّ شهر بدل إطعامي، وكانت (برّاكات) من الصفيح مجاورة للأركان فيها من يقدّمون وجبات بثمن يتّفق مع ما في جيوبنا، وربّك وحده يعلم ماهي اللحوم الموجودة في ذلك الطعام،
المرحوم محمد الماغوط أنهى الأشهر القليلة مجندا من خدمته في هذا المقرّ، ولم تكن له تلك الشهرة التي نالها بجدارة فيما بعد، كما كان بيننا مجنّد آخر كنيته "سويدان" غاب اسمه الأوّل، رغم أنّه صار من الكتّاب الذين كتبوا في الصحف، وكان مشهورا بتقليد صوت عبد النّاصر، فإذا قلّده فكأنّك تسمع ناصر.. ناصر الذي بدأ نجمه يلمع في مصر، لاسيّما بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 والذي قامت به إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، فكانت نهايته الفشل،
ذات زمن من تلك الأزمنة استعصت على فهمي مسألة ميتافيزيقيّة، أقلقتني، وحرمتْني النّوم، لأنّني لم أصل فيها إلى قرار يرتاح له قلبي، وأنا منذ أن وعيت على الدنيا أواجه بيني وبين نفسي تساؤلات ميتافيزيقيّة، أراها جديرة بالتوقّف، للوصول إلى حلّ تجاهها يُرضي (العقل)، ويطمئنّ له (القلب)، مرّت الليلة الأولى ولم أستطع النّوم، أغمض عينيّ وكلّ جوارحي الباطنيّة في حالة من التوتّر، والاصطراع، أقدّم وجها فتقف في وجهه وجوه، وهذا القلق عبّرت عنه فيما بعد، بعد قرابة أربعين عاما، فقلت في إحدى قصائدي: "هذي المسافةُ بين العقلِ والقلب، ولا يجتازها إلاّ نبيٌّ أو وليٌّ ، وأنا لهْفةُ شاعرْ"، ومرّت الليلة الثانية دون نوم، كان الهدوء غامرا، وصوت أنثويّ هادئ يصل إلى أذني من ذلك المقصف، وأنا أتقلّب على إبر من المعاناة، وحين تكون في صميم المعاناة يغيب كلّ شيء إلّا ألمها، ويبدو أنّي دخلتُ للحظات من النّوم مع الفجر الثاني فرأيت في الحلم كأنّني أمشي في شوارع قديمة لدمشق هي غير الشوارع التي نعرفها، ونور بنّيّ يغمر المكان، وثمّة شفافيّة قد لا نجدها إلّا في بعض الأحلام، فصحوت وكتبت عددا من الأبيات الشعريّة لم يبق بين اوراقي، ولا في ذاكرتي منها إلّا هذان البيتان:
يا ربُّ جاوزْتُ حدّي في مُخامرتي
شتّى الظّنونِ وضاقتْ بالحياة يدي
فامنحْ فؤادي هدوءً بتُّ أرقبُهُ
في كلِّ سرٍّ تسامى في ذُرى الأبدِ
................................
نشر في صحيفة العروبة في 25/3/2019 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي