كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اللواء محمد عمران

محمد صباح الحواصلي
لا يا عزيزي القارئ لن أكتب في السياسية، وما سأكتبه هنا عن اللواء محمد عمران لا صلة له بتاريخ سورية السياسي لا من قريب ولا من بعيد. كل ما في الأمر أنني سأكتب عن جار قديم.
هي ذكرى واحدة، زمنها لا يتجاوز الدقيقة، رأيت فيها اللواء محمد عمران فرغبت بالصدق نفسه الذي تتعامل به ذكرياتي مع مدينتي وأهلي وأصدقائي وحيي وناسه ومعالمه، أن أضع تلك الذكرى داخل إطارها في إلبوم ذكرياتي.
دون إطالة..
أتى يوم في آواخر ستينيات القرن الماضي، أن كان من نصيب حينا أن يسكنه مسؤول جديد (سكنه سابقاً اللواء زيد الأطرش من دون كولبة، والوزير جادو عز الدين من دون كولبة واللواء زهير شرباتي من دون كولبة أيضاً)، فقد استيقظت ذات صباح لأرى كولبة حراسة أمام العمارة المجاورة لعمارتنا من جهة الغرب، فعرفت أنه مسؤول عسكري وسياسي ذو شأن هو اللواء محمد عمران (1922 – 1972) الذي كان عضواً في حزب البعث، وأحد ضباط الانقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة في 8 آذار 1963، فتقلد منصب نائب رئيس الوزراء لغاية 15 كانون الثاني 1964.
كنت في سيري بالحارة، قبل أن أصل إلى مدخل عمارته أضطر (دفعاً لنفسي من أن أسمع كلمة مهينة أو ما يتبعها مما لا يُحمد عقباه) أن أنزل من على رصيف المشاة وأمشي بالشارع لأمتار ثم أعود وأصعد الرصيف. وللأمانة لم يطلب منى حراسه في يوم من الأيام أن أنزل عن الرصيف، بل هو الحرص الذي ورثه السوري من أنظمتنا الإنقلابية المتعاقبة على مدى ستين عاماً. فعلتُ ذلك أسوة بأماكن أخرى كان يُؤمر المشاة بغلظة أن ينزلوا عن الرصيف المواجه لمنازل المسؤولين. (كما حصل مع زوجتي ومعها أطفالنا أن أمر حارس مسلح أمام منزل رفعت الأسد في اوتستراد المزة أن تنزل عن الرصيف، وعندما قالت له: "أليس الرصيف للمشاة وأنا معي أطفال وتطلب مني أن أسير في الشارع!" فأجابها: "بلا لعي.. يالله انزلي.")
والذكرى التي لا يزيد زمنها عن دقيقة مفادها أنني كنت أدرس في شرفة بيتنا الطويلة، أسير ذهابا وإيابا وأنا استظهر درسي.. ومع التفافي وسيري باتجاه العمارة المقابلة رأيت اللواء محمد عمران واقفاً ببدلته العسكرية وقدمه اليمنى فوق كرسي وهو شارد، ولم يبدُ لي أنه كان ينظر إلى شيء أمامه: لا إلى شارع بغداد وزحمته ولا إلى جبل قاسيون وسفحه المسكون، ولا إلى سماء دمشق وغيومها وعصافيرها، ولا أظن أنه كان يستنشق الهواء النظيف لأن هواء شوارعنا كلها ملوثة بامتياز. ارتبكت في سيري وحفظي، وخطر لي بأن أبرح الشرفة وأدخل إلى البيت لكي أصرف عن نفسي مكروها لا أدري كنهه. لكنني قلت لنفسي: لماذا أبرح شرفتي وأدخل إلى البيت وهو يبقى واقفاً وأشعره بأنني دخلت بسبب ظهوره.. فأنا في شرفتي وحر بمكاني، فظللت أسير ذهاباً وإيابا محاولا أن أفهم ما أقرأ.
وفيما كنت أسير باتجاه شرفته، واقتربت من مكان وقوفه. رفعتُ نظري عن كتابي على نحو عفوي ليلتقي مع نظره لحظة التفاته نحوي، فما كان منه إلا أن هزّ رأسه مسَلِّماً!
هززتُ له رأسي بالمثل في احترام لا يخلو من إحساس لا أجد له اسماً..
غادر اللواء الشرفة ولم يبق فيها إلا طيفه المطبوع في حدقتي عيني، وهذه الخاطرة التي أخطها لكم بعد مضي قُرابة سته عقود.
من يومها، أصبح سلامه بمثابة (كرت بلانش) لي. فعندما أسير من أمام بيته لم أعد أنزل من على الرصيف أمام مدخل عمارته وكولبة حراسته، بل أصبحت أسير بثقة وجرأة وكأني أقول لعناصر الحراسة: إن كبيركم الذي تحرسونه، اللواء محمد عمران، هو جاري، وقد سلّم عليّ، وشرفتي مقابل شرفته، وأولاده وبناته وإن لم يكن بيننا سلام وكلام كنت أراهم في شرفتهم ويرونني في شرفتي.. وكنت أشعر وكأننا نتسامر معاً ولكن عن بعد وبصمت.
مضت سنون قليلة، عندما بلغني أن اللواء محمد عمران قد اغتيل في طرابلس - لبنان (في 4 آذار 1972)، وأن الذي كان وراء اغتياله صاحبه ورفيق دربه اللواء حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري، وبلغني أيضاً أن حافظاً قد عزّى أسرة اللواء محمد عمران وابنه ناجح برحيل فقيدهم (تماما كما عزّى الدكتورة نجاح العطار بعد اغتيال زوجة أخيها الأستاذ عصام العطار)

سكن منزله سكون الموت، وأغُلقت ردفاته، وأزيلت (الكولبة) والحراسة، ولم أعد أرى ابنه الكبير ولا بناته في شرفاته. أسِفْتُ على رحيل اللواء محمد عمران ليس لأنه هزّ رأسه لي مسلماً، بل لأنه كان (جاري) الذي لم أرَ من جيرته إلا حسن الجوار.

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي