كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في سرّ المقهى الأدبي

علي بدر

المقهى الأدبي ليس مكانا عابرا تسكب فيه فناجين القهوة على طاولات من رخام بارد، بل هو مسرح للثورة... في كافيه سنترال في فيينا كان تروتسكي يرسم أحلام الثورة، وفرويد يخط ملاحظاته عن اللاوعي، وجوزيف روت وكارل كراوس يسخران من أوروبا القديمة وهي تتداعى. باريس بدورها صارت العاصمة الكبرى للمقاهي الأدبية. فمن لو بروكوب حيث ناقش فولتير وروسو وديدرو أفكار التنوير، إلى فلور ودو ماغو حيث كتبت سيمون دي بوفوار رواية الماندرين ودون سارتر فلسفة الحرية، ظل المقهى الباريسي مختبرا للفكر الحديث. على طاولة صغيرة في كلوزيري دي ليلاس جلس همنغواي ليكتب قصصه الأولى، بينما كان جيمس جويس في الركن الآخر يقرأ بصوت مرتفع مقاطع من يوليسيس. وفي مونبارناس، على مقربة من لا روتوند ولا كوبول، كان بيكاسو يرسم وجوها جديدة للفن الحديث، فيما ينقب أندريه بريتون وأصدقاؤه السرياليون عن لغة تقلب العالم رأسا على عقب.
لكن المقهى الأدبي لم يكن امتيازا أوروبيا فحسب. ففي مدريد، كان كافيه خيخون ملاذا لكتاب ما بعد الحرب الأهلية، من كاميلو خوسيه ثيلا إلى بويرو باييخو، حيث النقاشات عن الحرية والرقابة تصطدم بدخان السجائر. وفي بوينس آيرس، في تورتوني، جلس بورخيس يتأمل المتاهة والذاكرة، بينما يعزف موسيقي شاب على البيانو نغمة تانغو حزينة. لقد امتزجت القهوة هناك بموسيقى الشوارع، وصار المقهى معبدا للأدب كما هو مسرح للهوية الوطنية.
وفي نيويورك، لم يلبث المهاجرون الأميركيون أن حولوا المقاهي إلى بيوت بديلة. في غرينيتش فيليدج، كان آلن غينسبرغ يقرأ قصيدة عواء للمرة الأولى في Café Reggio، بينما يسجل جاك كيرواك ملاحظاته المتقطعة، ويبتسم لورنس فيرلينغيتي إدراكا بأن جيلا جديدا يولد بين الجدران الملطخة بالدخان. هناك، في أميركا، لم يكن المقهى صدى لأوروبا فقط، بل صار منصة للاحتجاج ضد الحرب الفيتنامية، وللغناء مع الجاز والفولك، ولصياغة هوية مضادة للثقافة السائدة.
إن ما يوحد كل هذه الأمكنة، من الباليت في باريس إلى كافيه سنترال في فيينا، ومن تورتوني في بوينس آيرس إلى ريجيو في نيويورك، هو أن المقهى الأدبي كان دوما أكثر من مكان هو بيت منفى للغريب، مكتب مؤقت للكاتب الفقير، صالون حرية للمفكر، ومسرح مصغر للشعراء الذين يكتبون على المناديل الورقية. في المقهى تتجاور الأرستقراطية مع الطبقة العاملة، المهاجر مع المحلي، المرأة الكاتبة مع الصحفي العابر، في لحظة مساواة رمزية تصنعها الكلمة قبل أي شيء آخر.
ولعل سر المقهى الأدبي يكمن في أنه يعلق الزمن فنجان واحد يتيح ساعات من الجلوس، كما لو أن القهوة تشتري لك زمنا إضافيا، زمنا للكتابة أو للتأمل أو لمراقبة المارة. بهذا البطء ولدت النصوص الكبرى، وبهذا البطء اكتشف الكتاب أن الأدب ليس في العزلة وحدها، بل في الضجيج أيضا. المقهى الأدبي هو إذن غرفة المعيشة الكبرى للثقافة الحديثة، المكان الذي تتدفق فيه الكلمات كالنبيذ، وتبقى فيه الحكايات معلقة في الهواء مثل دخان كثيف، لا يزول بل يتبدد ليعاد تشكيله من جديد. 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي