كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أفكار التنوير وعالم المستقبل

يونس كامل صالح
يعود الاهتمام من جديد بأفكار عصر التنوير التي ساهم في صياغتها نخبة من الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين، حيث استطاعوا إعادة تأسيس العقل الإنسانيّ على أسس عقلانية وعلمية جديدة تجاوزت إعادة وبشكل حاسم أشكال المعرفة وأسسها السابقة التي تميز بالغائية وأنماط التفكير غير الواقعية. لقد حسم ذلك العصر الصراع ما بين المؤسسة الدينية الأوروبية التي عملت بكل ما في وسعها لمحاربة التغييرات في مجتمعاتها والقوى الساعية لبناء المجتمع المدني وبناء المعرفة على أسس موضوعية وعلمية لا على أسس عقائدية وإيديولوجية.
لاقت تلك الأفكار قبولاً كبيراً في شتى إنحاء المعمورة واستمرت حتى بديات القرن العشرين. إذ ما لبث أنّ تراجعت بعد الصراعات والحروب المدمرة في أوروبا والعالم، والصراع الأيديولوجي أثناء الحرب البادرة، الذي اتسم به ذلك القرن، وانتهى بانتصار الرأسمالية ودخول العالم مرحلة العولمة.
ولا شك في أنّ العودة إلى أفكار التنوير من جديد تأتي مدفوعة بمجموعة من الأسباب التي أدت إلى استفحال الصراعات بين بعض القوى المتطرفة في العالم الذي أفرزته العولمة. لقد انتشرت الظاهرة الأصولية بشكل كبير في انحاء متفرقة في العالم، بما فيها أكثر الدول تقدماً من ناحية علمية وحضارية. وقد أخذت أوجهاً مختلفة، ولم تعد تتحدد في إطار فكري معين. وأدخلت دول وشعوب العالم في صراعات نتجت عنها أحداث دموية معروفة، ولا يزال بعضها مستمراً حتى هذه اللحظة.
إن الفكر الأصولي كما هو معروف يلغي العقل تماماً، ويحتكر الحقيقة لنفسه، ويشعر بأنّ الأخرين الذين يختلفون معه يشكلون خطراً عليه. بل ويريدون محاربته والقضاء عليه، ولا يمكن أنّ يتعايش مع الآخرين على أسس من الاحترام المتبادل والتكافؤ، بل يريد فرض أفكاره عليهم حتى لو كان ذلك عن طريق القوة. ويمثل ذلك من دون شك تراجعاً عن القيم التي قامت عليها الحرية واحترام الإنسان وحقوقه والتفكير العلمي والعقلانية، والتعددية الفكرية والثقافية، وإلغاء كل أشكال التسلط على الإنسان والمجتمع وإشاعة قيم التسامح والاختلاف.
وخطر الظاهرة الأصولية لم يعد يقتصر على مسألة المواجهات بين الأطراف المتصارعة أو تلك التي تريد فرض أفكارها وهيمنتها على الآخرين فقط، بل أصبحت تهدد القيم والمبادئ التي سبق ذكرها للحضارة المدنية الحديثة. وتدل التجربة أنّ انجح سلاح لمقاومة هذه الظاهرة هو الجانب الفكري المناقض لها. فالتعصب والتفكير المنغلق لا يمكن مواجهتهما إلا بالتفكير العقلاني المستنير الذي يكشف حقيقة الأوهام التي يعيشها المتعصبون أو المتطرفون فكرياً. ويبين بأنّ الحقيقة ليست مطلقة أو ملكاً لأحد أو لشعب أو طائفة ما، بل نسبية وخاضعة للتطور والتغيير. والتفكير التنويري المستند إلى العقل المجرد من الأفكار المتحيزة أو الشخصية يعتبر أفضل وسيلة لمحاربة الأصولية. فهو ليس أيديولوجيا أو مذهباً فلسفياً أو عقائدياً يمثل بديلاً لعقائد أو مذاهب الأصوليين ويتصادم معها، بل يحتوي على أفكار وأدوات فكرية ومنطقية يمكن أنّ تستخدم في الحوار معهم، وتفنيد أفكارهم، وتبيان مكامن الخلل فيها، علاوة على مناقشة طريقة الوصول إلى اليقين الذاتي فقط كمعيار لصحة الأفكار أو المعتقدات التي تحملها فئة ما.
ولا شك فإن التركيز على الثقافة يمثل الوجه الجديد للتنوير، بمعنى أنّ نقد الثقافات المختلفة، ومحاولة معالجة مكامن الخلل فيها هو ما يركز عليه عمل من يسعى لإحياء التنوير وأفكاره. فالفكر ذي الطابع الشمولي وغيره من الأنساق العقلية الفلسفية لم تعد هدف التنويرين فقط وخصوصاً بعد تراجع الفكر والمفكرين على مستوى العالم، بل نقد الثقافات الدارجة التي يؤدي الكثير منها إلى الصراعات وإلغاء الأخر وغيرها من المظاهر السلبية الأخرى. فعلى الرغم من انتشار النظم الليبرالية في معظم أنحاء العالم، وانتشار الأساليب التكنولوجية والعلمية فيها، وتبني هذا العالم لمبادئ حقوق الإنسان، فإن ذلك لم يحد بشكل كاف من الظواهر الثقافية السلبية التي صعدت إلى السطح في العقود الثلاثة الأخيرة.
وإذا اتخذ التنوير بعداً ثقافياً فسيكون لذلك آثاراً عدة. فأول ما يمكن أنّ يقوم به هو تغيير طرق التفكير، في عدد من الثقافات التي تنتشر فيها الجوانب الإلغائية، والذاتية، والمغرقة في الغيبيات إلى التفكير العقلاني، وهذا يقود لإعادة النظر في العديد من القيم والمفاهيم والممارسات في ضوء ذلك، كما سيضع مفهوم الهوية على المحك، نظراً لاقترانها بالثقافة، وستكون أمام اتجاهين متناقضين، إما الاندثار تحت وطأة نقد مظاهر ثقافتها وتفنيدها، أو على العكس محاولة التجديد عبر تطوير ما هو رصين بها، واستبعاد مظاهرها السلبية.

ولا شك بأنّ ذلك يعني بأنّ عملية التنوير ذات البعد الثقافي ستواجه صعوبات جمة بسبب موضوع الهُوية لأنّها ستمس تراثاً وثقافة تضرب جذورها في تاريخ العديد من الشعوب وتمس كينونتهما. إن ما تعيشه بلادنا اليوم من أزمات ومشكلات وقضايا متعددة وما تمخض عنها من نتائج سلبية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وغياب الوجهة الفكرية التي توجه الإنسان إلى سلوك سبل الكفيلة بخلق واقع أفضل، جعلتنا نعيش في عالم تغيب عنه الحكمة والتفكير والالتفات إلى الأهم، وهيمنة الجوانب الغريزية على الإنسان. وأصبحت الأجيال الناشئة تواجه مشكلة الضياع في وضع تعيش فيه يتجرد شيئاً فشيئاً من قيمه الإنسانية، وإذا كان البعض يرى بأنّ المستقبل المظلم هو ما ينتظر هذه الأجيال، فلا يوجد طريق لمواجهة هذا المستقبل إلا من خلال العقل المستنير الذي قاد البشرية في أحلك الظروف إلى عالم أقل حدة مما نراه اليوم.

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي