كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الكِبَر

د. ناديا خوست

في لقاء تلفزيوني مع مهاتير محمد بمناسبة بلوغه مئة سنة من العمر، بدا الاحترام العميق له لما قدم لماليزيا، وكأن من ذلك، أيضاً، طول العمر. مع أنه خارج الحكم. لذلك سألته الصبية المحاورة عن السر الذي يبقي العقل نشيطاً والجسم في لياقة. فتبيّنا من جوابه أننا نمارس مثل تلك الشروط، ماعدا النوم المستقر.
نعرف أن تجاعيد اليدين لا تقابلهما بعد تجاعيد العقل. لكننا في منطقة يخجل فيها الإنسان، أمام موت الشباب والأطفال، من طول العمر. ويخجل فيها من الموت على فراشه، فكل اغتصاب أو اغتيال أو قصف يجرح الوجدان. والعصابات المنحطة التي تقتل وتسرق وتخطف تفقدنا الأمان. يخجلنا النهب الذي يُنتَشل من عصور غياب الدولة. ولأن الشعوب في هذه المنطقة ليست في سياق نهضة شعوب العالم، يستخفّ العجز رغبتنا في الانصراف.
في الشباب، كانت الوعود للنفس أننا في الكبر سنقرأ الكتب التي لم نجد الوقت لقراءتها، ونزور الأماكن التي خبأناها للراحة، ونسترسل في الأحاديث مع الأصدقاء التي لم يتح لنا أن نستمتع بها. كأننا ونحن ننجز حياتنا، كنا ننتظر لها استطالةً كالمكافأة! كأننا كنا ننهي عملاً طُلب منا وسنتناول أجرنا عليه سنوات إضافية من الحياة! فإذا بهذه المنطقة تتوغل في المآسي، ويصبح فيها الهناء استثناء، ويُلام الهنيّ من غياب التعاطف مع المتألمين، فنغرق في الحوار مع النفس.
نضيف إلى ذلك ما لم نحسبه في الشباب ونحن نكنز الكتب والأحلام برفاه أيامِ الكبر. فمحمد كرد علي في نصيحته للأبناء نبههم إلى أن الكبار في السن يتميزون برهافة الحس. فيتوهمون أنهم صاروا ثقلاً على الأولاد. في الروح نفسها سمعت في الطفولة دعاء قريبتي: "اللهم لا تكرّه بنا عبد، ولا تثقّل بنا أرض". وقال هارون الرشيد لمرافقه في الطريق عن أولاده: "وليس فيهم إلا من يستطيل مدّتي". فالوارثون ينتظرون رحيلنا ليمسحوا من بيوتنا آثارنا ويدهنوها بذوقهم. وخصومنا ينتظرون غيابنا الأبدي. والعدو سيحتفي بكل نقص في سكان البلاد.
غضب الغربيون على رفع سن التقاعد، لأنه سرقة زمن السفر والراحة والانصراف إلى الهوايات! واحتفوا بأن بريجيت باردو وصوفيا لورين بلغتا التسعين من العمر. فأين المساحات التي وعدنا بها أنفسنا لنستمتع بجمال مدينة كسب، وبهجة الصعود إلى تشالما، وسحر غابات الصنوبر في الجبال الساحلية، ولون البحر الذي يتبدل ليدهشنا؟ أين الفضاء العام الذي وعدنا أنفسنا بالطيران فيه، والحرائق تغلق الأفق؟
يطربنا تكريم الكبَر في القرآن الكريم: "إما يبلغنّ عندك الكبَر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربّياني صغيرا". فإذا بنا وسط أجيال ضاقت باضطرابات المنطقة، والظلم الذي حجب كفاءتها، فصار حلمها الرحيل إلى بلاد فيها استقرار القوانين، وصارت لغتها التأفف. ويجب أن نشفق عليها، لأننا عشنا في مدن أجمل من المدن التي تعيش فيها، وأكثر خضرة ونظافة وأمناً، وعرفنا زمناً رخياً لا تعرف مثله. وكم تعاني منا، فإذا دللتنا تصورنا أننا عاجزون، وإن تناستنا تخيلنا أننا مهمَلون!
هل كان أقصى حلمنا أن يتكرر في كبرنا صدام الأجيال الذي كتب عنه تورغينيف في روايته "آباء وأبناء"؟ فوجئنا بأن الأجيال تصخب في اتجاه معاكس. وليست المسألة أن خطواتنا صارت أبطأ من خطوات أولادنا وأننا كمن يكبحها إذا سايرونا في المشي، ونميل إلى التأني ويحبون الاندفاع، ونفضّل التروي ويهوون التسرع، بل أن كلاً منا صار ينتسب إلى عصر وأحلام ومدن أخرى. نستثني من ذلك الأطفال الفلسطينيين الذين يمارسون البطولة بثباتهم في الأرض ومواجهتهم الشر العالمي، ويمارسون الأبوة والأمومة لإخوتهم وهم في الثامنة من العمر.
توحي الآية القرآنية البليغة التي ذكرناها، بشروط الحضارة التي أثمرت المتاحف والأفلام ودراسات الفترات التاريخية وروادها. توحي باحترام العمر العام الذي لا يملكه شخص، بل ينسج فيه الناس المؤسسات والعادات والقصائد ويربي الاعتداد بالوطن. ويُحمى بلوحات على بيوت الأعلام وأمكنة الأحداث. وكم حاولنا أن تُثبّت لوحات على أبنية عاشت فيها ماري عجمي، وألفت الإدلبي، ومحمد الماغوط وغيرهم!
في تلك الطيّات، غاب من قوائم الهاتف كثير من أصدقائنا الذين انصرفوا قبل أن يطمئنوا على مصير العالم والوطن. وبقينا نحن في ليلِ النابغة الثقيل ننتظر الفجر، نقيس التوازن بين قوتنا وطموحنا، ونتصور أننا ننتصب في المواجهة الكبرى التي تغيّر العالم.
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي