كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الاختلاف.. ومحنة الهوية

د. محمود اسماعيل

منذ فجر الفكر الإنساني والإنسان مأخوذ بهاجس الآخر، ذاك الذي يقف في مواجهة الأنا ويشكل في الوقت ذاته مرآتها. فالآخر ليس مجرد شخص يختلف عني في اللغة أو المعتقد أو اللون بل هو شرط وجودي لوعي الذات بذاتها. كما قال هيغل في فينومينولوجيا الروح:
(الوعي لا يصبح وعياً بذاته إلّا من خلال وعي آخر)
فالاختلاف إذن ليس تهديداً بل ولادة، ولولا الآخر لبقي الإنسان سجيناً لذاته لا يعرف نفسه إلّا انعكاساً في صدى صوته لا في عيون المختلفين عنه.
لكن التاريخ في مفارقة مؤلمة لم يكن دائماً وفياً لهذه الحقيقة، فكم من حضارة توهمت أن خلاصها في إقصاء المختلف، وكم من جماعة ظنت أن النقاء الفكري أو العرقي هو ذروة الوجود، بينما هو في الحقيقة بداية الأفول.
إن رفض الآخر، كما يقول نيتشه: "هو رفض للحياة ذاتها"، لأن الحياة إرادة قوة وهذه الإرادة لا تتغذى إلّا من الصراع الخلاق بين التعدد والتنوع.
ولم يكن الفلاسفة وحدهم من تنبهوا لذلك، فالتراث الديني نفسه قدّم رؤية عميقة في قبول التنوع، يقول الله تعالى:
"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين" (هود: 118).
هذه الآية ليست تقريراً للاختلاف فحسب بل احتفاء به وتأكيد على أنه جزء من سنة الوجود لا خلل فيها.
ومن هنا كان التسامح في جوهره ليس مجاملة بل وعي فلسفي بأن التنوع هو ضرورة للوجود الإنساني.
أما في الفكر الحديث، فقد جاء إيمانويل ليفيناس ليجعل الآخر محور الأخلاق كلها. فالآخر في نظره ليس موضوعاً للمعرفة بل مسؤولية تقع على عاتقي قبل أن أتعرف إليه. إنه وجه يطالبني، نداء أخلاقي يسبق كل فكر. ولعل هذا ما عبّّر عنه طه عبد الرحمن حين قال إن: "الإنسان لا يتحقق بوجوده إلّا بقدر ما يحقق وجود غيره".
إن رفض الآخر هو انتحار بطيء للوعي، لأن الذات التي لا تحتمل المختلف تضيق حتى تختنق في حدودها. ولذا فإن كل فكر يرفع راية الإقصاء إنما يكتب شهادة وفاته قبل أن يكتمل. لقد شهدنا ذلك في التاريخ القريب: من أيديولوجيات التطهير العرقي إلى استبداد الأنظمة التي ادعت امتلاك الحقيقة المطلقة. كانت البداية دوماً كلمة واحدة: (نحن) ضد (هم)، وكانت النهاية دوماً خراباً للاثنين معاً.
الاختلاف إذن ليس خطراً على الوجود، بل هو ما يمنحه حركته ومعناه. فكما قال الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي:
(نحن لا نعيش في عالم من الأشياء، بل في عالم من المعاني المتبادلة)
والمعنى لا يولد إلّا حين يلتقي المختلفان ويتحاوران ويكتشف كل في الآخر ظله العميق.
لذلك فإن قبول الآخر ليس ترفاً إنسانياً بل هو شرط للبقاء. ومن لا يتعلم الإصغاء للاختلاف سيجد نفسه في النهاية يتحدث إلى الفراغ. 
غسان الشامي: تلبيسة والرستن ويوحنا إبراهيم.. شهادة للتاريخ القريب والحزين وللنصر
أُبيّ حسن: على هامش تجربتي في الإعلام الالكتروني
كتب مروان حبش: قصة عيد الأم
فينكس ينشر الترجمة الحقيقية والكاملة للمناظرة بين ارينست رينان وجمال الدين الأفغاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثالث والأخير
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الأول
د. أحمد الخميسي: هل نطالب الأزهر بتكفير داعش؟!
د. عماد فوزي شعيبي يكتب عن الطفل الذي سيحارب عندما يكبر.. محطّات في الذاكرة (حرب تشرين)1من2
الآرامية التائهة غادة السمان الأديبة السورية غادة السمان تخرج عن صمتها برسالة مدوية وصادمة بصراحتها للشعب السوري
محطّات في الذاكرة.. "بعض مما...", بقلم الروائي غسّان كامل ونوس
محطّات في الذاكرة.. إعلام وسياسة.. حازم مبيضين
محطّات في الذاكرة.. بين الحنظل والرحيق بقلم الشاعر علي كنعان
محطّات في الذاكرة: السياسي والصحفي في سورية.. علاقة مقطوعة منذ الستينات! بقلم عماد نداف
محطّات في الذاكرة.. د. أحمد عمران الزاوي