كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما تكون الحجارة أنظف من الضمائر التي ترميها

ريتا خير بك

اقتلاع العلوي من أرضه ليس حادثة ولا اثنتين، بل خطة بطيئة وقذرة، مشروع طويل الأمد، يتم تنفيذه بهدوء يشبه البرود الجنائي. حجر بعد حجر، إهانة بعد إهانة، دم بعد دم.
الرجم بالحجارة لم يعد جريمة فردية، بل صار أداة رسمية من أدوات الابادة في سجل الأكثرية: الأكثرية الصارخة، والأكثرية الصامتة، والأكثرية التي تصفق وتضحك وتمسح فمها بعد كل وليمة دم، ثم تذهب لتكتب عن الوطن والكرامة والوحدة الوطنية.
هل سيتوقف السوريون لحظة واحدة أمام خبر شابين علويين، لم يكملا الخامسة والعشرين، عاملين بسيطين، خرجا من البيت في الصباح ليعودا في المساء جثتين مسحوقتين تحت الحجارة؟
أم سيكون الخبر نكتة خفيفة في جلسة قهوة، ومادة للتندر في جروبات أبناء الأكثرية، ليتبادلوا الضحكات كما تبادلوا من قبل صور الأطفال المذبوحين والممزقين في السابع من آذار؟
يا عمال العالم، يا فلاحي العالم، في زاوية مهملة من هذه الجغرافيا المنحوسة، في ورشة بائسة بين الخراب والشعارات، رجم عاملان علويان حتى الموت.
لم تقتلهما طائرة ولا صاروخ دقيق، بل قتلهما حجر يحمله من يسمون أنفسهم اتباع “أفضل أمة أخرجت للناس”، أحفاد واتباع سيد المرسلين كما يدعون، وهم يضحكون، ويصورون، ويعلقون ايموجي الضحك على دماء شابين خرجا فقط ليدفعا أجرة البيت.
هل سيتحرك في صدور “الزناة الاخلاقيين” شيء حين يقرأون هذا الخبر؟ هؤلاء الذين يكتبون عن الوطن، عن الهوية الوطنية، عن “سوريا الواحدة الموحَّدة”، ثم يغلقون الشاشة ويمشون فوق الأرض نفسها التي شربت دم شابين علويين مرجومين بالحجارة، ولا يهتز فيهم عصب واحد؟
هل سيتشقق الحجر الذي يسند هذا الجدار النتن من الخطب والبيانات، حين نذكرهم أن صور الأطفال القتلى في السابع من آذار كانت بالنسبة لهم مادة ضحك، وموسما للشماتة، واثباتا إضافيا على أن الإبادة يمكن ان تكون “ترند” ليومين ثم تختفي؟
هناك، في مكان ما، أُم تمسك طرف السرير، تحدق في هاتف صامت، وتقول لنفسها:
“تأخر اليوم قليلا.. ربما تعب ونام عند صديق.”
لا تعرف ان الحجارة أنهت اليوم قبله، وإن ابنها الآن مجرد جثة بلا وجه، وخبر عابر يمر في شريط الاخبار، وتعليق ساخر في جروب عائلة من عائلات الأكثرية السعيدة.
على هذه الارض، تعاد كتابة الشعارات كما في مزرعة كبيرة قذرة، يدعي فيها الجميع الفضيلة:
تمسح جملة، تضاف أخرى، يتغير اسم العدو، لكن الضحية تظل هي نفسها دائما.
يكتبون: “كل السوريين متساوون”، ثم يلحقونها، بحبر خفي ولكن واضح:
“ما عدا أولئك الذين يجوز رجمهم، ذبحهم، تهجيرهم، السخرية من موتهم، بحجة الله، أو الثورة، أو الوطن، أو أي صنم جديد فوق بوابة المزرعة.”
في سوريا اليوم، رجم شابان علويان حتى الموت.
وفي سوريا اليوم، ضحك كثيرون من أبناء الأكثرية على الخبر، تماما كما ضحكوا من قبل على جثث الاطفال في السابع من آذار، وعلى النساء المخطوفات، وعلى الرجال المذبوحين، ثم كتبوا بعد ذلك بساعات منشورات عن التسامح، والتعايش، و”سوريا للجميع”.
في كل مرة يدفن فيها عامل علوي تحت حجارة الكراهية، يترسخ هذا المشروع القديم أكثر:
مشروع اقتلاع جماعة كاملة من أرضها، من تاريخها، من حقها في أن تمشي على هذا التراب بلا خوف.
مشروع تحويلنا الى أشباح، الى أسماء بلا وجوه، الى أخبار عابرة تضحك عليها “أحسن أمة أخرجت للناس” قبل أن تذهب لتصلي شكرا لله على نعمة الانتماء للأكثرية.
في سوريا، رجم شابان علويان حتى الموت.
هذه ليست جملة في آخر النشرة، بل علامة سوداء على وطن صار مزرعة كاملة،
يسمح فيها للجميع ان يغنوا للوحدة،
إلّا لأولئك الذين يُقتلون لكي تبقى الأكثرية راضية عن صورتها في المرآة،
وتبقى الحجارة انظف من الضمائر التي رمتها. 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي