كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العنف التاريخي الممنهج ضد العلويين.. هل هو مصادفة؟

جان يحيى

في قراءة هادئة للتاريخ الاجتماعي والسياسي للعلويين، يتبيّن أن ما تعرّضت له هذه الجماعة لم يكن طارئاً ولا نتاج لحظة صراع حديثة، بل كان مساراً طويلاً من العنف المنهجي والاستهداف القائم على الهوية الدينية والثقافية. فمنذ القرون الأولى، ومروراً بالعصور المملوكية والعثمانية، وُضع العلويون في موقع الجماعة “غير المرغوب بها”، وتعرّضوا لسلسلة متواصلة من المجازر، والتهجير، والإكراه الديني، والتهميش الاقتصادي، جرى تبريرها بخطاب ديني وسياسي يشرعن القتل ويحوّله إلى أداة حكم.

ومع ذلك، فإن اللافت في التجربة التاريخية العلوية هو غياب أي نزعة جماعية نحو الانتقام أو بناء ثقافة قتل مضاد. لم تُنتِج هذه التجربة فقهاً دموياً، ولم تتحوّل الذاكرة المثقلة بالمجازر إلى برنامج إبادة للآخر. على العكس، حافظت البنية الروحية والثقافية العلوية على ميل واضح إلى الانكفاء، وحماية الذات، وقبول الاختلاف، حتى في اللحظات التي كان فيها هذا الاختلاف سبباً مباشراً للقتل.

تكشف المدونات التاريخية أن العهد العثماني مثّل نقطة مفصلية في تعميق هذا الاستهداف. فقد استُخدمت القوة العسكرية، والضرائب القاسية، والعقوبات الجماعية، والتغيير الديني القسري، لإخضاع مناطق واسعة كانت ذات غالبية علوية في الشمال السوري والساحل والفرات. ولم يكن الهدف إدماج هذه الجماعات، بل كسرها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع “الإسلام الرسمي” للسلطة. وقد رافق ذلك عنف مفرط وصل في بعض الحالات إلى أساليب تعذيب وإعدام لا مثيل لها في وحشيتها، وجرى توثيقها أحياناً بلا أي شعور بالعار.

ورغم هذا كله، اختار العلويون، في معظم مراحل تاريخهم، الصمت على المجازر التي تعرّضوا لها. لم تتحوّل هذه الأحداث إلى طقوس إحياء رسمية، ولا إلى سرديات مركزية في الخطاب العام، بخلاف ما فعلته جماعات أخرى عانت مآسي تاريخية مماثلة. لم يكن هذا الصمت دليلاً على إنكار الألم، بل انعكاساً لثقافة لا ترى في استعراض الجراح وسيلة للنجاة أو أداة للشرعية السياسية.

من جهة أخرى، يبيّن التاريخ الاجتماعي أن المناطق التي فُرض عليها تغيير مذهبها بالقوة، أو خضعت لاقتلاع ديني عنيف، أصبحت لاحقاً من أكثر البيئات قابلية للتشدد والانغلاق. في المقابل، حافظت المناطق التي استمر فيها التراكم الديني والثقافي دون قسر على أنماط تدين أكثر هدوءاً وتسامحاً. وهذه ملاحظة تستحق دراسة علمية معمقة، لأنها تربط بين العنف المؤسس في الذاكرة الجمعية وبين أنماط التدين اللاحقة.

إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في المجازر المباشرة أو الخطاب التحريضي، بل في الدفع نحو تدمير الهوية العلوية نفسها، سواء عبر الإبادة الصريحة أو عبر محاولات “ناعمة” لتفريغها من مضمونها الروحي والثقافي. فإجبار جماعة تاريخياً منفتحة على التحول إلى كيان مغلق أو مسلح هو شكل آخر من أشكال العنف، لا يقل خطورة عن القتل الجسدي.

إن استعادة هذا التاريخ ليست دعوة للثأر، ولا تبريراً لأي عنف معاصر، بل محاولة لفهم جذور الخوف الوجودي، وفكّ الارتباط بين الضحية وصورة الجلاد التي تُلصق بها ظلماً. فمجتمع لا يعترف بجراحه القديمة، ولا يواجه تاريخه بصدق، محكوم بأن يعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة. والعدالة المعرفية، قبل أي عدالة سياسية، تبدأ بالاعتراف بما جرى، وبوضع المسؤولية حيث يجب أن تكون، لا على من نزف، بل على من سفك الدم. 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي