كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من قلب التاريخ إلى هامش القلق.. المسيحيون في سورية

المهندس باسل قس نصر الله

لم يكن المسيحيون في سورية يوماً على هامش التاريخ، بل كانوا في قلبه. لم يكونوا ضيوفاً على هذه الأرض ولا أقلية طارئة عليها، بل شركاء في صنع هويتها، في مدنها، في لغتها، وفي ثقافتها. سورية، كما عرفناها، كانت دائماً نتاج هذا التعدد، وكانت قوة المسيحيين فيها نابعة من اندماجهم الطبيعي في المجتمع، لا من انعزالهم عنه.

أكتب هذا اليوم لا بصفتي مراقباً محايداً، بل كشاهد على تحوّل مؤلم: من شعور بالانتماء إلى شعور بالقلق، ومن الثقة بالدولة إلى الارتياب بمصيرها. قبل عام 2011، لم يكن سؤال الوجود مطروحاً لدى المسيحيين السوريين، وهذا لا يعني الموافقة على النظام السابق. بعد سنوات الحرب والانهيار، أصبح هذا السؤال حاضراً في كل بيت، وكل كنيسة، وكل نقاش عائلي.

الحرب لم تكن دينية في جوهرها، لكنها خلّفت فراغاً سياسياً وأمنياً سمح بصعود خطاب إقصائي، وبانهيار مفهوم الدولة الجامعة. ومع الهجرة الواسعة، والتهجير القسري، وتدمير الأحياء والبنى الاجتماعي والاخطاء المرتكبة من جهة والجرائم المرتكبة من النظام تجاه كل مكوّنات سورية، فوجد المسيحيون أنفسهم ينتقلون تدريجياً من موقع الشراكة الوطنية إلى موقع القلق الوجودي. لم يعد الخوف من حدثٍ آني، بل من مستقبلٍ غامض.

اليوم، ومع التحولات السياسية التي شهدتها سورية، عاد الحديث عن الأمل، لكنه أمل هشّ. بعض العائلات عادت إلى قراها وبلداتها، لا لأن شروط الحياة أصبحت متوفرة، بل لأن الحنين كان أقوى من المنطق. عودة إلى المكان، لا إلى الدولة. عودة بلا ضمانات، وبلا أفق واضح.
المشكلة، في جوهرها، ليست مشكلة مسيحيين فقط. إنها مشكلة دولة وليدة تسير وتتعلم من أخطاء الماضي، ومن صراع مواطنة إلى مواطنات، ومشروع وطني لم يتبلور بعد.

المسيحيون، كغيرهم من السوريين، لا يبحثون عن حماية طائفية ولا عن امتيازات خاصة، بل عن دولة قانون، وعن مساواة حقيقية، وعن شعور بأنهم مواطنون لا رعايا.

في هذا السياق، تستحضر الذاكرة تحذير البابا فرنسيس، حين قال:
«الشرق الأوسط من دون مسيحيين لن يكون الشرق الأوسط نفسه».

هذه العبارة ليست دفاعاً عن جماعة دينية بقدر ما هي توصيف لخسارة حضارية وإنسانية. فغياب المسيحيين لا يعني نقصان عدد، بل اختلال توازن تاريخي وثقافي شكّل روح هذه المنطقة.

من موقع الشهادة، أقول إن أخطر ما يواجه المسيحيين في سورية اليوم ليس الخوف بحد ذاته، بل تحوّل الخوف إلى قناعة، والقناعة إلى هجرة صامتة. وحين تصبح الهجرة حلاً فردياً لمأزق جماعي - كما حدث ويحدث بصمتٍ الآن، يكون الوطن كله في خطر.

إن مأساة المسيحيين في سورية هي مرآة لمأساة سورية نفسها: دولة لم تحسم خيارها بعد بين أن تكون وطناً لجميع أبنائها، أو ساحة مفتوحة للهويات القلقة والهجرة المستمرة.

ويبقى السؤال، سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً:
هل ستستعيد سورية معناها كدولة مواطنة جامعة؟

أم سنكتب يوماً عن المسيحيين فيها بصيغة الماضي، كما كتبنا عن كثير مما خسرناه؟

اللهم اشهد بأني بلّغت

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي