كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من ذكريات زيارتي لممدوح عدوان في "دير ماما"

عبد الكريم الناعم

في أواخر سنوات الستينات من القرن الماضي، دعاني الأديب المتعدّد المواهب المرحوم ممدوح عدوان لحضور مناسبة في "دير ماما"، وكان بيننا من الأواصر المتينة ما يجعل الآخر يتصرّف في بيت الآخر وكأنّه في بيته، وكنتُ آنذاك ما أن أُدعى إلى مناسبة لطيفة حتى أستجيب، بل في كثير من المناسبات كنتُ أخرج من المدرسة إلى جلسة لطيفة، وقد أغيب يوما أو يومين ولا يعلم أحد من أهل بيتي عنّي أيّ شيء، وقد اعتادوا على ذلك، أو قُل أنّي عودّتهم عليه، ولم تكن هواتف الموبايل معروفة، بل ووجود الهاتف العاديّ لم يكن متيسّرا في تلك الأيام، إلّا نادراً.
كان الفصل صيفاً، والمكان "دير ماما" وانعقدت حلقة الدّبكة، والازدحام شديد، ونافخ (القصْبة- الشاخولة) شاب طويل أشقر، خصره يُشبه خصور البنات الضامرات، ينفخ في (القصْبة)، ويقلّبها، ويلوّي جسده بفنيّة مدهشة، حتى ليمكن القول إنّه وحده يشكّل لوحة، وشربنا ما شربنا، ودبكنا، وغنينا، وعبّ ممدوح كمية كبيرة من العرَق البلديّ حين اقترب منه عمّ له، كانت بينهما جفوة، فاحتضنه العمّ بحنان، وضمّه إلى صدره، فتفجّرت أحاسيس ومشاعر استدعت ذلك الكمّ من الكؤوس.
الفرح يكاد يطفر من جدران البيوت كما يُشرق من العيون، صعدنا إلى علّيّة لنرتاح قليلا، ومَن دعانا من الرجال "النّشامى" في تلك البقعة، وكان المساء قد بدأ يمدّ عباءته، وفي الجبال، حيث الخضرة، تبدو الألوان بحلّة خاصة، أراد مَن دعانا إشعال "اللّوكس"، فأشعله وانطفأ، فتناول قنينة كبيرة مملوءة بمادّة (السبيرتو) وسكب منها، فالتهب اللّوكس، والتهبت القنينة في يده، وفوجئ بذلك، فبدأ يخضّ القنّينة في كلّ اتجاه، بدلا من إلقائها بعيداً، فتطايرت منها كراتُ من اللهب، و.. فجأة تسلّمتْني نار لا توصف حرارتها، تلبّست رأسي ووجهي، ولشدّة الحرارة لم أعد أدرك ما عليّ فعله، واتّجهت نحو نافذة في الجدار أريد أن أُلقي بنفسي منها، ففوجئت بمن أخذ شيئا وقع تحت يده، ولفّ رأسي به وحنى عليّ، فسكن اللهب، ولم يسكن الألم الغضب، فقلت مهدّداً: "مَن هذا الحيوان الذي فعل هذه الفعلة"؟ فأجابني أحد الحضور: "لقد خرج هارباً".
كان لابدّ من مراجعة طبيب، وأقرب طبيب في مصياف، ركبنا سيارة أنا وممدوح المُتَعْتَع، وآخران، وقد حاولتُ جهدي أن أُثنيه عن سفره معنا، فلم أنجح، كان السّكْر وإحساسه بالمسؤوليّة أكبر، طرقنا عيادة طبيبة في مصياف، باردة الطبع والحركة، وبعد أنْ وضعت بعض المراهم، سألتها: "هل سيترك آثارا في وجهي"، فابتسمت بغباء وقالت: "وهلْ انت بنت حتى تخاف على حالك"؟.
عدتُ إلى حمص، وممدوح على حاله، حين دخلت مدخل دارنا فوجئتْ ابنتي الكبيرة بمنظر وجهي، فأرادت أن تصرخ فقلت لها: "لا تخافي ، الأمر عاديّ"، ونمتُ على ألم في وجهي وفي إحدى عينيّ.
في اليوم الثاني اتّصلت بالمرحوم الدكتور سمير ضاهر، فزارني وألزمني ببعض المراهم، ومنعني من الخروج في الشمس لمدّة اسبوع، وقال لي: الله ستر، لو استمرّ اللهب ثانية أخرى لَأتلف قرنيّة العين".
الذي لفّ رأسي بشيء ما وأطفأ تلك النار كان الأديب المرحوم وديع اسمندر، قال لي: "كان اللهب صاعدا من رأسك ووجهك بعلوّ أكثر من متر”،
بعد أكثر من أربعين سنة، حين توفّي وديع اسمندر ذهبت للتعزية في " الزّياديّة" شرقيّ جبلة في تلك الجبال، وفي مبرّة التعزية، قال لي أحد أخوة وديع: "هنا فلان، ألا تريد السلام عليه"؟ قلت: وكيف "لا"؟ فلان هذا كان ذلك "النّشميّ" الذي حدثت الحادثة في بيته، وبيده، حين اقتربتُ، وهو الصبور الشجاع، أراد أن يفوه بالكلام فغلبتْه عبرة البكاء... 
نشر في صحيفة العروبة في 9/9/2019
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي