كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كيف تهزم أمة دون إطلاق رصاصة واحدة؟

منيب هائل اليوسفي

لا تحتاج إلى جيش…
ولا إلى دبابة…
يكفي مسلسل يدخل بيوتنا كل ليلة.
قبل سنوات دار بيني وبين الصديق المرحوم الدكتور علي القيم، معاون وزير الثقافة الأسبق، حديث عميق عن خطورة الدراما حين تتحول من فن إلى أداة تشكيل للعقول.. حديث بقي صداه في ذاكرتي حتى اليوم.. وأستعيده كلما شاهدت ما تمتلئ به شاشاتنا من مسلسلات.
كان الرجل يحمل فكراً متقدماً ووعياً ثقافياً نادراً.. وكأن نظرته سبقت زمنها بسنوات. تحدث يومها عن قوة الكلمة والصورة، وعن قدرة الدراما على تشكيل الوعي الجمعي للأمة.
تذكرت ذلك الحديث كلما جلست أمام شاشة التلفزيون.
نبحث عن ساعة من الترفيه بعد يوم طويل.. يبدو الأمر بسيطاً: مسلسل.. قصة.. ممثلون.. وموسيقى تصويرية، غير أن المشهد أعمق بكثير مما يظهر على الشاشة، هناك معركة هادئة تدور في العقول.
الأمم المستهدفة لا تواجه دائماً المدافع والصواريخ والدبابات.. هناك طريق آخر يصل إلى العقول بهدوء وروية.. دبابة حديثة قد تكلّف مئات الملايين من الدولارات، ومع ذلك يبقى أثرها محدوداً في المكان والزمان.. أما مسلسل تلفزيوني فيدخل ملايين البيوت في ليلة واحدة، ويجلس بين أفراد العائلة، ويتسلل إلى الوعي دون صخب أو ضجيج.
هنا تبدأ المشكلة!
الدراما تمتلك قوة هائلة في تشكيل الذوق العام.. عندما تمتلئ الشاشات بقصص فارغة.. وعلاقات مبتذلة.. وصراعات سطحية فإن المجتمع يدفع الثمن، الذوق يتراجع، والقيم تتآكل والمبادئ تتهالك، ويعتاد الناس رؤية القبح حتى يفقدوا حساسيتهم تجاهه.
(كل شيء يبدأ من النص)
الكاتب في جوهره صاحب رسالة.. فالكلمة التي يضعها في النص قد ترفع مستوى الوعي أو تهبط به.. الكاتب الحقيقي لا يكتب لإرضاء أهواء الجمهور ونزواتهم.. بل يحمل مسؤولية الارتقاء بعقول الناس والمشاهدين.. فالثقافة تتضمحل وتتلاشى ولا تنمو حين تلاحق الغرائز إنما عندما تقدم فكرة أو قيمة أو معرفة تترك أثراً في ذهن المشاهد.
كثير من المسلسلات التي تعرض اليوم تمر أمام المشاهد مروراً عابراً..تنتهي الحلقة فلا تترك وراءها فكرة تُفكَّر.. ولا حكمة تُتذكَّر.. ولا معرفة تضاف إلى رصيد العقل... يقضي المشاهد ساعات طويلة أمام الشاشة ثم ينهض منها كما دخل إليها تماماً دون أن يحمل معه عبرة أو قيمة أو سؤالاً يوقظ التفكير.
الفن الحقيقي يترك أثراً في النفس، أما الدراما التي تخلو من الحكمة والموعظة والمعرفة فهي مجرد وقت يستهلك، وقد تتحول مع الزمن إلى وسيلة لتسطيح الوعي وإفراغ العقل من مضمونه.
ويزداد الأمر خطورة عندما تجعل بعض المسلسلات من الألفاظ النابية جزءاً عادياً من الحوار والسلوك اليومي... تتكرر هذه الكلمات على الشاشة حتى تفقد قبحها في نظر السامع، ثم يلتقطها الأبناء كما يلتقطون الصور والمشاهد.. فتتسلل إلى لغتهم وسلوكهم اليومي وكأنها جزء من الثقافة العامة.. وهكذا لا يقف أثر المسلسل عند حدود الترفيه، بل يمتد إلى تشكيل اللغة التي يتحدث بها الجيل القادم والذوق الأخلاقي الذي ينمو في وعيه.
يقال كثيراً إن الناس لا يحبون الأعمال التاريخية أو الثقافية وحتى القانونية، هذه الذريعة والحجة مريحة تختبئ خلفها بعض شركات الإنتاج وبعض الكتّاب.. ولكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.. فالعمل الجيد يجذب الناس دائماً. المشكلة تظهر عندما يعجز الكاتب والمنتج عن تحويل التاريخ والثقافة إلى قصة مشوقة تجذب المشاهد وتحببه بها.
ويزداد المشهد غرابة في شهر رمضان.
هذا الشهر ارتبط في وجدان المسلمين بالقرآن والعبادة ومراجعة النفس. ومع ذلك تتحول الشاشات إلى مهرجان ضخم للمسلسلات.. الترفيه بعد صوم يوم طويل أمر مفهوم، غير أن الترفيه الذي يجرح الذوق ويهدم القيم لا يخدم المجتمع.
الشاشة ليست مجرد وسيلة تسلية.
إنها أداة قادرة على بناء الوعي… أو هدمه.
وهنا أتذكر كلمات الدكتور علي القيم التي ما زالت ترن في ذاكرتي: ((إن معركة الوعي أخطر من أي معركة أخرى)).
رحم الله ذلك المفكر الكبير.
رحم الله الدكتور علي القيم الذي حمل فكراً سبق عصره ووعياً ثقافياً نادراً نفتقده اليوم.
الدبابة قد تهدم حجراً…
أما المسلسل الرديء فيستطيع أن يهدم أمة كاملة.
برأيكم: هل أصبحت بعض المسلسلات وسيلة تسلية بريئة؟ أم أداة تصوغ عقول الناس.
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي