كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مسيحيو سورية بين الدويلعة والسقيلبية

المهندس باسل قس نصر الله

انتقل أبو الطيب المتنبي إلى مصر في زمن كافور الإخشيدي، مدفوعاّ بأحلامٍ واسعة، ظنّ فيها أن “الأستاذ” - كان كافور يحب أن يلقبونه به - سيمنحه ولايةً أو يفتح له باب مجدٍ طال انتظاره. لكن حين أدرك الحقيقة، وأن لا ولاية ولا كرامة تُمنح، لم ينتظر طويلاُ. اختار اللحظة الأكثر رمزية: صباح عيد، ليهرب تاركاُ خلفه قصيدته اللاذعة التي افتتحها بسؤالٍ صارخ:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ؟

واليوم، وبعد أن انقضى شهر رمضان وحلّ عيد الفطر، ويتلوه عيد الفصح، نقف نحن أمام السؤال ذاته، لكن بمرارةٍ أشد: أيّ عيدٍ هذا الذي يمرّ، والمسيحيون يخافون ويغادرون أرضهم أفواجاً؟ وأيّ جديدٍ يُرتجى، فيما المشهد يتكرر، بل يزداد قسوة؟

لطالما رفضتُ تصنيفات “أقلية” و“أكثرية”، لكن ما يصلني اليوم من رسائل، يفرض واقعاً لا يمكن تجاهله. رسائل تُطمئن، أو تُرجّي، أو تُطالب بالبقاء، وكأنّ القرار بيدي أو بيد غيري. والحقيقة أبسط وأقسى: المسيحيون لا يهاجرون عبثاً، بل يهربون حين شعورهمب أن الأرض لم تعد تُشبههم، وأن المستقبل يُسحب من تحت أقدامهم.

نسمع عبارات تتكرر كالصدى: “لم تعد هذه أرضنا”، “جفّت ينابيعنا هنا”، “انتهى دورنا”. تترافق هذه القناعة مع وقائع لا يمكن إنكارها: تهديدات تصل إلى الأفراد، ومقاطع تُبث لتغذية الخوف الكامن في النفوس. إضافة إلى حوادث - حتى لو كانت فردية - تحمل رائحة الدم والخوف مثل ما حدث في كنيسة الدويلعة بدمشق وأحداث السقيلبية آخراً ونتمنى أن تكون الأخيرة فيما يتعلق بالمواطن السوري المسيحي.

وللمرة الأولى في تاريخ سورية الحديث، تتحول الهجرة المسيحية من خيارٍ اقتصادي إلى قرارٍ ديني بامتياز، تُحرّكه غريزة البقاء لا حسابات الربح والخسارة. يغذّيها الخوف الذي يتحول إلى قرارٍ بالهجرة.

وفي الكنائس، تتكرر المشاهد ذاتها. خطبٌ حماسية، دعواتٌ للبقاء، ونداءاتٌ عاطفية. لكن السؤال الذي يُطرح بإلحاح: ماذا فعلتم قبل أن تصل الأمور إلى هنا؟ أين المشاريع التي كانت كفيلة بتثبيت الناس في أرضهم؟ أين الإسكان الذي يحمي الفقراء والطبقة الوسطى، العمود الفقري لأي حضور مسيحي حقيقي؟

لقد جرى الاستثمار في مشاريع لم تخدم إلا القادرين، وهؤلاء كانوا أول من غادر سورية عند أول اختبار. أما المدارس والمستوصفات وغيرها، فرغم أهميتها، لم تكن يوماً كافية لاقتلاع فكرة الهجرة من عقول من يفتقدون الأمان الاقتصادي والاجتماعي.

ما يُقدَّم اليوم ليس حلولاً، بل مسكنات. إدارة أزمة لا أكثر، تخفيف أعباء لا تغيير مصير. وهذا لا يوقف نزيفاً، بل يؤجله.

البعض للأسف يقف، بلباسه الملوّن وكلماته المنمّقة، يصرخون كثيراً ضد الهجرة، لكنهم لم يبنوا ما يجعل البقاء خياراً ممكناً. الوعي الوطني لدى المسيحيين السوريين الأعمق من أن يُختصر في حقيبة سفر، لكن الإهمال الطويل يدفع حتى الأكثر تمسكاً إلى الرحيل.

لن تُقنع الخطب أحداً بالبقاء، ولن توقف المواعظ نزيف الهجرة. فالكلمات التي لا تسندها أفعال، تبقى صدىً يتلاشى مع أول موجة خوف.

كفاكم - يا أيها البعض - بكاءً كالنساء على المسيحيين الذين لم تدافعوا عنهم كالرجال. وكفاكم خطباً لا تغيّر واقعاً. فمن لم يقف مع الناس في محنتهم، لن يمنعهم من الرحيل حين يقرّرون النجاة بأنفسهم.

اللهم اشهد بأنني بلّغت

 
نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي