كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أوراق نعواتنا تفضح هجرتنا

المهندس باسل قس نصر الله

عندما زرت المقابر لأول مرة، لا أذكر السبب بالتحديد، لكنني تذكرت تفاصيل تلك الزيارة جيدًا.

كنت أقرأ أسماء الموتى على القبور، وأربط بين عائلاتهم وأسماء أصدقائي المسيحيين. كنت أسألهم عن موتاهم، وأتعرف على الكثير من قصصهم. ومع مرور الوقت، أدركت أن المقابر في حلب، مثل بقية المدن، هي "أهلية محلية". الجميع يعرف الجميع، وكل قبر هو جزء من ذاكرة أحياء المدينة.

في تلك اللحظة، انتابني إحساس غريب بالراحة. ربما لأنني كنت أُطمئِن نفسي بأنني في المستقبل، لن أكون مدفوناً بين غرباء.

لكن ما لم أكن أدركه حينها هو أن هذه المدينة العتيقة، التي تشبع كل زاوية منها بالذكريات، بدأت تفقد جزءاً من روحها بسبب الثورة السورية. فهاجر من هاجر من حلب، وترك المدينة خلفه، هرباً من القذائف، وعدم الأمان.

أصبحت أوراق نعواتنا توضح كم أصبح للميت أقرباء في المهجر

نعم أوراق نعواتنا تفضحنا

قرأت إحدى الأوراق ولمست الهجرة تسري بيننا

لقد بقيت ولم أغادر حلب، ولا ألوم أحداً على مغادرته، فكل إنسان له خياراته، وكل واحد له أسبابه. لكنني اخترت البقاء، لا لشيء سوى أنني أخشى أن أموت في أرض غريبة، حيث لا تعرفني الأرض ولا يعرفني الناس.

في حلب، أنا جزء من المكان. تعرفني شوارعها، وأرصفتها، وكل زقاق فيها يحمل لي ذكرى. لا أستطيع أن أتخيل أن أموت في مدينة لا تُذكّرني بشيء.

شوارع حلب ليست مجرد ممرات، بل هي سجل طويل من اللحظات التي عشتها.
الباعة الذين يمرون يومياً في أزقتها، والمارة الذين يسلّمون عليَّ في كل زاوية، وحتى عمال النظافة فيها يعرفونني.

مزاريب المياه الحجرية في الحارات القديمة تعرفني .. فكم غسلتُ رأسي أيام المطر وأنا طفل .. حتى الحفر المملكة بماء هذا المطر تعر احذيتي التي كنتُ أضحك وأنا أقفز فيها.

كيف لي أن أموت في مدينة لا يوجد فيها من يذكرني؟

كيف لي أن أستطيع العيش في مكان لا تعني لي شوارعه شيئاً؟

صحيح أن هناك مدناً أجمل من حلب، لكن، هل يمكن لأمٍّ أخرى أن تأخذ مكان أمي؟

هل يمكن لمدينة أخرى أن تعني لي ما تعنيه حلب؟ مهما كانت المدينة أجمل أو أكثر تقدماً؟

لا شيء يعادل الانتماء لمكان نشأت فيه، وعاشت فيه طفولتي. حلب ليست مجرد مدينة بالنسبة لي، هي جزء من كياني، مثل الأم التي لا يمكن لأي شيء أن يعوض مكانها في قلبك.

رغم الهجرة التي طالت العديد من أهالي حلب، لم أغادر. لقد اخترت البقاء، لأنه لا يمكنني أن أعيش في مكان لا يحمل ذكرياتي.

لا يمكنني أن أموت في مدينة لا تحتفظ لي بذكريات ولا وجوه أعرفها.

حلب، رغم كل ما مرت به، هي الوطن الذي لا يمكنني تركه.

حلب هي تاريخي

اللهم اشهد بأني بلّغت

غسان الشامي: تلبيسة والرستن ويوحنا إبراهيم.. شهادة للتاريخ القريب والحزين وللنصر
أُبيّ حسن: على هامش تجربتي في الإعلام الالكتروني
كتب مروان حبش: قصة عيد الأم
فينكس ينشر الترجمة الحقيقية والكاملة للمناظرة بين ارينست رينان وجمال الدين الأفغاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثالث والأخير
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الثاني
عبد الكريم الناعم: الحريق الأخونجي (محطّات في الذاكرة)- الجزء الأول
د. أحمد الخميسي: هل نطالب الأزهر بتكفير داعش؟!
د. عماد فوزي شعيبي يكتب عن الطفل الذي سيحارب عندما يكبر.. محطّات في الذاكرة (حرب تشرين)1من2
الآرامية التائهة غادة السمان الأديبة السورية غادة السمان تخرج عن صمتها برسالة مدوية وصادمة بصراحتها للشعب السوري
محطّات في الذاكرة.. "بعض مما...", بقلم الروائي غسّان كامل ونوس
محطّات في الذاكرة.. إعلام وسياسة.. حازم مبيضين
محطّات في الذاكرة.. بين الحنظل والرحيق بقلم الشاعر علي كنعان
محطّات في الذاكرة: السياسي والصحفي في سورية.. علاقة مقطوعة منذ الستينات! بقلم عماد نداف
محطّات في الذاكرة.. د. أحمد عمران الزاوي