كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ذكريات حياتي في عيد ميلادي

المهندس باسل قس نصر الله

في الرابع عشر من حزيران من كل عام، أتوقف قليلاً لأتأمل رحلة حياتي بما حملته من تجارب وتحديات ونجاحات وإخفاقات، وبما منحته لي من فرص للتعلم والحوار وخدمة الإنسان. ففي مثل هذا اليوم من عام 1958 ولدت في دمشق، وكانت هذه المدينة مع مدينة اللاذقية حيث اقام اهلي أكثر من ثمانية وأربعين عاماُ، ومدينتي الأصيلة والأصلية حلب، هذه المدن الثلاثة علمتني منذ الصغر معنى التنوع والتعايش، ومنها بدأت رحلة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

درست الهندسة المدنية في جامعة حلب وتخرجت عام 1980، لكن اهتمامي لم يتوقف عند حدود الهندسة، بل امتد إلى الفكر والتاريخ وفلسفة العلوم وقضايا المجتمع والإنسان. لذلك تابعت دراستي وحصلت عام 1984 على دبلوم الدراسات العليا في تاريخ وفلسفة العلوم عند العرب والمسلمين، ومُنحت شهادة الدكتوراه الفخرية في العلوم والتاريخ الإسلامي، وظللت أعتبر أن المعرفة هي الاستثمار الأهم في حياة الإنسان.

وكانت القراءة رفيقة دربي الدائمة. فعلى مدى عقود جمعت مكتبة تضم أكثر من خمسة آلاف كتاب، وما زلت أجد متعة خاصة في التنقل بين عدة كتب في الوقت نفسه، مستعيناً بكوب من المتة وقطعة من التفاح - وأكثر من ذلك بكثير، لأن زوجتي ستقرأ وتصحح لي قائمة الأكلات التي أتناولها - في لحظات أعتبرها من أجمل لحظات التأمل والهدوء.

في العمل العام، شغلت عضوية المكتب التنفيذي في محافظة حلب بين عامي 1999 و2001. دخلت هذا المجال بدافع خدمة الناس لا بحثاً عن منصب أو مكسب شخصي. وخلال تلك المرحلة اصطدمت مراراً مع حزب البعث نظرياً، وفعلاً مع الأجهزة الأمنية التي كالت لي التهم وكتبت فيني التقارير اللازمة التي أتمنى في يوم ما ان اقرأ كذبهم عني، وذلك بسبب تمسكي بقناعاتي واستقلالية رأيي ورفضي لبعض الممارسات التي لم أكن أراها منسجمة مع المصلحة العامة. وعندما وجدت أن الهوة بين قناعاتي الشخصية والواقع القائم أصبحت كبيرة، تقدمت باستقالتي عام 2000، إلا أنها لم تُقبل، قبل أن تنتهي مهمتي بعدم تجديد عضويتي عام 2001 لكي يقال أن الناس هي التي لا تريدني، وليس لأني لا أريد "الثقة المضحكة لما يُسمونها بالقيادة الحكيمة والرشيدة"

ورغم تلك التجربة، بقيت مؤمناً بالحوار والانفتاح على الجميع. لذلك حافظت على علاقات وتواصل مع شخصيات من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية، بما فيها شخصيات من المعارضة السورية - وقد عانيت الكثير لأن النظام لا يؤمن بالحوار. وبعد التحرير، زارني في مكتبي عدد من الشخصيات المعارضة، وكانت اللقاءات فرصة لتبادل الرؤى حول مستقبل سورية وأهمية بناء دولة تتسع لجميع أبنائها. كما تشرفت يومها - ثاني أيام التحرير - بتلبية دعوة إلى مأدبة غداء ضمت الشيخ أسامة الرفاعي وعدداً كبيراًمن قادة الفصائل والشخصيات الوطنية التي كان النظام يسميهم "المعارضة أو المسلحين أو الإرهابيين"، في مشهد رأيت فيه دليلاً على أهمية الحوار ومد الجسور بين السوريين مهما اختلفت مواقعهم وتجاربهم.

وكان عملي غير الوظيفي والتطوعي المجاني مستشاراً لمفتي سورية آنذاك، لمدة خمسة عشر عاماً بين 2006 و2021. تجربة فريدة أعتز بها، إذ كنت أول مسيحي يتولى منصب مستشار مفتي مسلم - ولو ان النظام استخدمه لكي يُظهر حاله انه ديمقراطي -  وكانت تجربة جسدت قناعتي بأن الحوار بين الأديان ليس شعاراً، بل ممارسة يومية قائمة على الاحترام المتبادل والثقة والتعاون وقد استخدمت اسمي للاتصال بالكثير من المنظمات الدولية للمساهمة في التدخل واستخدام الحوار بدلاً من السلاح في سورية وهو ما فهمت بعدها - تحت التهديد - أن النظام لا يرغب مطلقاً بالحوار إلا لكسب الوقت.

كما سعيت طوال حياتي إلى بناء علاقات مع مختلف المكونات الدينية والقومية في سورية وخارجها وبشكل محلي ودولي - قد يندهش البعض منها -  إيماناً مني بأن التنوع مصدر قوة وغنى للمجتمعات، لا سبباً للفرقة والانقسام.

واليوم، وأنا أضيف عاماً جديداً إلى عمري، أحمد الله على ما منحني من فرص وخبرات، وأزداد يقيناً بأن المناصب تزول، والأحداث تمضي، أما ما يبقى حقاً فهو الموقف الشريف، والكلمة الصادقة، والعمل من أجل الإنسان. تلك هي القيم التي حاولت أن أجعلها عنواناً لحياتي، والتي أتمنى أن تبقى الأثر الأجمل في رحلتي على هذه الأرض.

اللهم اشهد بأني بلغت

نارام سرجون لفينكس: أعتبر نفسي الكاتب الأكثر حرية.. و سيأتي يوم أكشف فيه عن اسمي الحقيقي
د. عبد الله حنا: السلطان عبد الحميد في شعر نزار قباني
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. "جبلة: طفولة وذكريات"- 2 من2
لطفي السومي: محطّات في الذاكرة... من ثورة 1936 في فلسطين حتى أيار 1966 في سوريا
د. عبد الله حنا: "نشيد القرى"
الدكتور جورج جبور: محطّات في الذاكرة.. حلف الفضول.. و دعوة للارتقاء بالقضاء!
د. عبد الله حنا: انتخابات شباط 1954 النزيهة.. صعود البعث والشيوعي.. نجاحي في مسابقة دار المعلمين العليا دون واسطة في صيف 1954.. محطّات في الذاكرة- ح4
جمانة طه: محطّات في الذاكرة.. جنيف: مؤتمر ومواقف- 1 من 2
د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3
الدكتور عبد الله حنا: هكذا أحرقنا الكتب الفرنسية نكاية بفرنسا!.. محطّات في الذاكرة- ح2
د. عبد الله حنا: من ذكريات ابن الخمس سنوات (السلق) و (السيل).. محطّات في الذاكرة.. ح1
حكاية (الحجاج بن يوسف الثقفي) مع (سعيد بن جبير).. و شذرات من أريج الشافعي
مروان حبش: العقد الاجتماعي والدستور والدولة
هكذا رأى مثقفون سوريون مقابلة "سفير الكرامة" د. سليمان مع "الميادين"
د. بهجت سليمان: شَتّانَ بين رعايا بول البعير.. ومُواطِني القمر الصّناعي