كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ترامب بين الوهم والواقع!

د. محمد سيد أحمد

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تعود المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى واجهة المشهد، ولكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيدًا وتناقضًا، خاصة مع التصريحات المتضاربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الموجه للرأي العام، وبين معطيات الواقع الجيوسياسي على الأرض.

منذ بداية التصعيد مع إيران، رفعت الإدارة الأمريكية سقف أهدافها إلى مستويات غير واقعية، تمثلت في إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك منظومته الصاروخية، وإنهاء برنامجه النووي بالكامل، فضلًا عن قطع علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه في المنطقة، من لبنان إلى العراق واليمن وغزة. 

إلا أن مسار الأحداث أثبت أن هذه الأهداف لم تكن سوى شعارات دعائية، تفتقر إلى أدوات التنفيذ الفعلية، خاصة في ظل توازنات إقليمية ودولية معقدة.

اليوم يحاول ترامب تسويق ما يسميه اتفاقًا شبه مكتمل، مدعيًا أن إيران وافقت على تقديم تنازلات جوهرية، وعلى رأسها نقل جزء من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح سرعان ما اصطدم برد إيراني حاسم وصادم، حيث نفى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بشكل قاطع هذه الادعاءات، مؤكدًا أن الحديث عن نقل اليورانيوم "لا أساس له من الصحة".

بل إن التصريحات الإيرانية ذهبت إلى أبعد من مجرد النفي، عندما وصف بقائي اليورانيوم المخصب بأنه مقدس مثل تراب إيران، في رسالة تحمل دلالات عميقة، تتجاوز البعد التقني إلى البعد السيادي والرمزي. فهنا لا يتعلق الأمر بملف تفاوضي قابل للمساومة، بل بقضية كرامة وطنية، تمثل أحد أعمدة الاستقلال السياسي والسيادة الإيرانية.

هذا التناقض الفج بين الروايتين الأمريكية والإيرانية يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما يجري خلف الكواليس. هل يسعى ترامب إلى صناعة نصر وهمي يقدمه للناخب الأمريكي، بعد فشله في تحقيق أهدافه المعلنة؟ أم أن هناك بالفعل مفاوضات غير مكتملة، يحاول استباق نتائجها إعلاميًا؟ أم أن طهران اختارت عمدًا إحراج واشنطن، وفضح خطابها أمام العالم؟

الراجح أن الإدارة الأمريكية، في ظل ضغوط داخلية متزايدة، تحاول إعادة صياغة المشهد بما يخدم صورتها السياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة. فالتاريخ الحديث للسياسة الأمريكية حافل بمحاولات تسويق انتصارات إعلامية وهمية لا تعكس الواقع، وهو ما يبدو أنه يتكرر اليوم في الملف الإيراني.

في المقابل تبدو إيران أكثر تماسكًا في خطابها ومواقفها، حيث تؤكد باستمرار أن برنامجها النووي قرار سيادي لا يخضع للإملاءات الخارجية، وأن أي اتفاق يجب أن يقوم على أساس الندية والاحترام المتبادل، وليس على منطق الإملاء والابتزاز. وهذا الموقف يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الصراع، ولأهمية الحفاظ على عناصر القوة الوطنية في مواجهة الضغوط.

أما على مستوى السيناريوهات المحتملة، فإن فشل المفاوضات يظل خيارًا قائمًا بقوة، خاصة في ظل هذا التباين الحاد في المواقف. وفي حال انهيار المسار التفاوضي، قد نشهد عودة إلى التصعيد العسكري، سواء بشكل مباشر أو عبر حروب بالوكالة في ساحات متعددة، وهو ما ينذر بتوسيع دائرة الصراع في المنطقة.

في المقابل يبقى احتمال نجاح المفاوضات قائمًا، ولكن بشروط مختلفة عما يطرحه ترامب. فقد يتم التوصل إلى صيغة توافقية، تتجاوز التصريحات الإعلامية، وتعتمد على تفاهمات عملية تحفظ ماء وجه جميع الأطراف. وفي هذا السياق، يمكن تفسير تصريحات ترامب المتناقضة على أنها محاولة لتهدئة الرأي العام الأمريكي، وتهيئته لقبول تسوية لا ترقى إلى مستوى الأهداف المعلنة سابقًا.

وبالطبع تكشف هذه الأزمة عن حقيقة جوهرية، مفادها أن السياسة الدولية لا تدار بالشعارات، بل بموازين القوى والحقائق على الأرض. وما بين خطاب أمريكي متقلب، وموقف إيراني ثابت نسبيًا، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها إعادة تعريف النفوذ، وحدود القوة، في عالم لم يعد يحتمل أوهام الانتصارات السريعة. 

وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستمر واشنطن في سياسة صناعة الأوهام، أم تعود إلى الواقعية السياسية؟ والإجابة، كما يبدو، لن تتحدد بالتصريحات، بل بما ستسفر عنه الأيام القادمة على طاولة المفاوضات، أو في ميادين الصراع، اللهم بلغت اللهم فاشهد. 
صناعة القوة في الظلّ.. حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة والهيمنة
النُظم السُلطوية.. صناعة الخوف كقاعدة للحكم
سميرة موسى واغتيال الحلم العربي!
فضائيات (عربية) تفضح ضحالة الفكر والعقل السياسي العربي
الموروث الفلسطيني.. ذاكرة لا تُهزم وسرديّة تُفشل محاولات المحو
اغتيال العقل العربي!
جذور وأسباب الوصاية الدولية على قطاع غزة
جيل زد ـ وتناقضات الواقع الاجتماعي!
التباس مفهوم الدولة والوصاية الدولية المحتملة على قطاع غزة
ما بين إعلان الدولة الفلسطينية 1988 وواقعها اليوم
مصير علم الاجتماع والمشتغلين به في مصر!
"زيارة الشرع إلى واشنطن" ضبط خارجي تكتيكي يُعمق الإستقطاب في المشهد السوري
مصر البهية أم طرحة وجلابية!
في ذكرى اغتيال أبو عمار.. مقاربة مغايرة وتساؤلات خارج الصندوق
محور المقاومة العربية: استراتيجيات الصمود ومسارات التأثير الإقليمي