كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

*محمد الوزيري: البعث في زمن الرِّدَّة..

في وسط هذا الركام البالي و القَشِّ المتزايد، و السبل المغلقة و الأخلاق المهترئة.. في وسط هذا النكوص و الإنحدار إلى قعر جبِّ الحضارة و بدائية الإنسان العربي و (الذي ينكر أنه عربي)!.. في وسط الزحمة و التسابق نحو الأفول للإرتماء في أحضان الإنسلاخية، و التقدم نحو التردي، و هذا الزيف الملقى على أعين المخدوعين، الحاجب لحقيقة المؤامرة الكبرى...

في وسط كل تلك المظاهر و الظواهر التي أثقلت كاهل الضعفاء فصاروا تابعين، لا غرو أن يصير البعث غريبا بين الأقارب قبل الأباعد، و بين أهل البيت قبل الغرباء، ولا عجب أن تصير قيم البعث (مسخرة) في أوساط مستلبي الهوية و الكينونة و الفكر المحلي، و أولئك المنبهرين ب (موضة) الفكر الدخيل..

لأن البعث رسالة، و كل الرسائل تبدأ غريبة فتضمحل باضمحلال قيم الإنسان فتصير غريبة إلا في وجدان ذوي الأفئدة. و لكن هل تتبدل الرسالة أو يمسها لغوب بتبدل قيم الإنسان و تهاويها؟!.... قطعا، فالعزة بقيت هي العزة منذ أن خلق الإنسان، و الصدق هو الصدق، و الكرامة هي الكرامة، و المقاومة هي المقاومة، و الفخر هو الفخر، و الإنسانية هي الإنسانية، و التضحية هي التضحية..

لم نسمع يوما بأن قيمة من تلك القيم الراقية تغير معناها بتغير الإنسان. فتلك القيم و أخرى لا تحصى هي الرسالة، و البعث لا يحمل إلا هذه الرسالة، ولا يتعداها إلى شيء خارق لقوانين الطبيعة.. فلم الإستغراب و السخرية كلما ذكرنا كلمة البعث و الرسالة الخالدة إذن؟! هل تهاوت قيمة الإنسان إلى دركات يسخر فيها من قيمته نفسها؟!

إني أحاول دائما الإبتعاد عن الأفكار التنظيرية المعقدة (في نظر الجمهور) لكي أوصل كنه الرسالة بسرعة و بساطة إلى عقل الآخرين. و خاصة الآن في زمن الرِّدَّة الجماعية و كفر الإنسان بإنسانيته و حقيقة وجوده..
لذلك و بدون شبك و لبك أقول إن رسالة البعث سواء في زمن الإيمان أو الكفر، و سواء في زمن القوة أو الضعف، قد بقيت نفس الرسالة بنفس المبادئ..

لا تنطوي إلا على أن يكون الإنسان العربي عزيزا في نفسه أولا ثم بين الأجانب و الغرباء، أن يصنع الإنسان العربي هذه العزة كما صنعها أجداده الأوائل بالعلم و تراجمه، و دهاء السياسة و مكرها، و قوة الدين و ليونته، و بأس العسكر و رحمته، و حزم العدالة و شمولها، و غل الأيادي و بسطها، و صدق النية و التفرس.. و لكل حال تأويل و لكل مقام تعليل...

فإذا كان ذلك في نظر المرتدين و الكائدين على -حد سواء- تخلف و ثقافة تصحر، فماذا يكون التقدم و التحضر عندهم إذن؟!..
يا للروعة..! هم ما فتئوا يطربوننا بالنموذج المثالي في الضفة الأخرى، و نحن لا ننكر ذلك النموذج أو نرفضه كليا، و لكننا أيضا لا نقبله كليا لأنه لا يغرينا سوى الجانب العلمي فيه..

إلا أن المثير هو حين ننظر إلى الطرح الذي يأتينا دعاة التغريب أولئك به، لا نكاد نجد فيه مثقال ذرة من علم ولا أية رؤية واقعية. إنهم لا يركزون سوى على هدم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، (التاريخ، اللغة، الدين، الأخلاق الفردية و العامة، الثقافة المحلية)..!
فهم يرفضون أي (تقدم) لا يقوم على هدم هذه الثوابت التي تعتبر حسب نظرتهم "غير البريئة" مصدر تخلف .!

لا أسف إذن على أولئك الساقطين المتساقطين تباعا على أعتاب غمزات الإغراء المادي المنمق بالإنسانوية، و المحشو بكل قنابل الكراهية المقيتة الموقوتة، فنحن أعرف الناس بمكمن خللنا، لأننا نؤمن بسيرورة التاريخ و صيرورته، و جدلية التحول و تقلب أحوال الدول و المجتمعات، ولا نحتاج إلى تلك الدروس التي تزيد الطين بلة و تخلط شعبان برجب..

و مهما بلغ حد التحريض على الردة عن قيم الشموخ التي جسدها أجدادنا من قبل في أبهى صور التضحية و العنفوان، فإنه لا يجرمننا شنآن كل تلك المظاهر التحضرنية الباعثة على نكران هذه الأصالة و الأصل و الإنتقال إلى الفراغ عبر ضرب التاريخ كمقدمة لضرب كيان الحقيقة.

إن كل تلك القوى التي تحارب البعث في صميم ينبوعه لا تفعل ذلك إلا لعلمها القاطع بأن الطريق الأقوى -و ليس الوحيد- لكن الأقوى إلى المجد و استقلال الذات و القرار السياسيين هو طريق البعث. لأن طريق البعث لا يحمل إلا معنى واحدا هو "المجد العربي التليد" و المطمور تحت تراكمات الخيانات الداخلية التي زكتها المؤامرات الخارجية و انتهزتها عبر القرون الخوالي و ما زالت...

و على قول جورج أورويل إن قول الحقيقة في زمن الخداع يعتبر عملا ثوريا، أقيس سلبا: إن المناداة بقيمة الإنسان العربي في زمن التردي و السقوط لأصبحت تعتبر عملا مضحكا و مبتذلا.. لأن في زمن الردة تنقلب الموازين، و يصبح صاحب الدار غريبا و الغريب قريبا. و دورنا نحن هو ألا نيأس حتى نعيد صاحب البيت إلى بيته و نكون نحن هم نحن.. عندها يتضح للجميع أن البعث هو الثورة في ذاتها.

*كاتب مغربي

د. أسامة اسماعيل: أين وكيف يعيش أبناء القذافي؟
مواجهة إيران ومستقبل «خطة العمل الشاملة المشتركة»
د. أسامة اسماعيل: من أين يستمدّ الرئيس ترامب قوّته؟
كتب خضر عواركة: نقاط فوق حروف الحقيقة حول الميادين.. الوقوف مع سورية ليس أمراً تشكر عليه.
تاريخُ فِرَقِ الموت الأميركية.. سورية: الحرب التالية للناتو
لماذا طلب السفير السوري السابق في الأردن من المسؤول عن أمنه الشخصي أن يقتله حال تعرض للخطف؟
السفير البريطاني السابق في دمشق يفضح على "بي بي سي" كذبة الكيماوي الأمريكية
75 مليون ليرة سورية لإعادة تأهيل شوارع وحارات جزيرة أرواد
على خلفية وصفه احمد بن بهية الحريري بالصعلوك.. إدارة الفيسبوك تغلق صفحة "د. بهجت سليمان" لمدة أسبوع
خضر عواركة: الفرق بين المنار في حرب 2006 والميادين في حرب سورية
د. بهجت سليمان: ما هي حكاية الجاسوس الروسي / البريطاني (سكريبال)؟
خضر عواركة: ما هي نسبة العملاء لأجهزة استخبارات من بين المشاهير؟
كذبة لمأجور أردني تكشف حجم التأييد الشعبي والثقافي في الأردن لسوريا
خطيئة الدولة السورية في اعتقادها أنها قضت على تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا
خضر عواركة: في وجوب التذكير بحقارة ريم البنا وسمير قصير وأمثالهما حتى بعد موتهم