رحلة في أوغاريت.. يوم في حضارة عتيقة
2025.11.06
عندما تمزج التاريخ بالخيال لتغوص في حياتها وعالم الأساطير والطقوس كما عاشها سكانها..
د. غسّان القيّم
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""”"""""
تركت لخيالي أن يسرح بي إلى عالم مدينة اوغاريت لأعود في الزمن إلى الوراء ثلاثة آلاف وخمسمائة عام أعيش حياة هذه المدينة العظيمة، أسبر عوالمها وحياتها اليومية، أسكن في أحد بيوتها أستيقظ صباحاً مع أول خيوط الشمس حيث يلمع أمامي البحر كالفضة وأتتنفس رائحة الملح والأغصان المشتعلة في أفران سكان المدينة. تسمع من بعيد أصوات السفن القادمة من مصر وبلاد ما بين النهرين واليونان وقبرص وبلاد الأناضول محملة بالقمح والتوابل والخشب والأقمشة الملونة، هذه المدينة أوغاريت ليست مجرد ميناء بل قلب نابض للتجارة والثقافة والدين.
تمشي بين الأزقة الضيقة المرصوفة بالحجارة.. وتشاهد بيوت السكان المصنوعة من الطين والحجارة أسقفها مسطحة وزواياها صغيرة لكنها مليئة بالحياة. في السوق تتعالى أصوات التجار وهم ينادون على بضائعهم: التوابل، الزيوت الأقمشة النحاس. الأطفال يركضون بين الأكشاك يضحكون ويلحقون الطيور التي تحط على السقف.
تمر على المعبد الكبير حيث يقترب الكهنة من منصة المذبح حاملين معهم مجموعة من الألواح الطينية..
على هذه الألواح المكتوبة بالكتابة المسمارية الأبجدية الفريدة لأوغاريت تحكي عن الآلهة ملحمة بعل، وعن الإلهة عنات، وعن طقوس كانت تُقام للخصوبة والحرب والسلام. تشعر بأن هذه الحروف ليست مجرد كلمات بل هي مفتاح لفهم روح المدينة وأهلها.
في زاوية هادئة من المدينة تجد المكتبة الملكية، المكان الذي يخزن آلاف الألواح الطينية كل منها يحمل نصًا دينيًا أو رسالة دبلوماسية أو سجلًا تجاريًا.
العالم الفرنسي شارل فيروللو بعد آلاف السنين حيث كان له سبق الكشف عن أسرار هذه النصوص الفخارية الذي ترجم الكثير منها، لكنه لم يعرف شعورك حين تقرأها لأول مرة وتشعر بأن الماضي يحيط بك كنسيم البحر البارد.
تتوقف عند أحد البيوت حيث عائلة تجتمع حول الطاولة يضعون أقداحًا من النبيذ والزيتون، ويتبادلون الأحاديث عن أخبار المدينة وأحداث الجوار. تتسلل إليك رائحة الخبز الطازج من الفرن المجاور وتشم أيضاً عبق الأعشاب والتوابل المستخدمة في الطهي. الحياة هنا بسيطة، لكنها مليئة بالألوان والأصوات والروائح.
مع الغروب تجلس على سور المدينة المطل على البحر تشاهد السفن التي تعود محملة بالبضائع من مدن بعيدة وتسمع أصوات الأغاني والتراتيل مختلطة مع صلوات الكهنة. هنا تدرك أن أوغاريت ليست مجرد مدينة بل حضارة كاملة تنبض بالحياة مليئة بالغموض ومكتوبة بحروف الأبجدية التي سبقت زمانها. كل نص على الألواح الطينية هو رسالة من الماضي، وكل حجر في الأزقة يهمس لك بقصة.
وفي هذا المساء مع آخر شعاع للشمس تشعر بأنك لم تعد مجرد زائر. أنت جزء من هذه المدينة تشهد تاريخها تشعر بنبض سكانها، وتستمع إلى لغتهم الغامضة التي ما زالت تحتفظ بأسرارها، تنتظر من يكتشفها ويعيد الحياة إليها.
مع حلول الليل تتحول مدينة أوغاريت، الأضواء الخافتة من الشموع والفوانيس حيث تعكس ظلالها على جدران المدينة والأصوات تتغير السوق أصبح هادئًا لكن المعبد ينبض بالحياة. الكهنة يرتدون أردية طويلة وقلائد من البرونز يتحركون بخطوات ثابتة نحو المذبح الكبير حيث تُقام الطقوس لإله السماء بعل إله العواصف والخصوبة ولإلهة الحرب والحب عنات.
تقترب من المكان وتسمع تراتيل تُغنى بلغتها الخاصة لغة أوغاريت المسمارية كلماتها غريبة على أذن الغرباء، لكنها مألوفة جدًا لسكان المدينة. كل حرف وكل كلمة تحمل قوة: تترجم التاريخ والقدر وتربط البشر بالآلهة الكهنة يقرؤون النصوص ويتلفتون نحو الجمهور حيث يتردد صدى الأصوات.
في زاوية المعبد ترى الألواح الطينية الصغيرة التي يكتب عليها السكان العاديون صلواتهم وأمانيهم، بعضها يطلب الحماية وبعضها يطلب المحاصيل الجيدة، وبعضها يعبر عن الحب والخوف والفرح. تشعر بأن كل حجر في هذا المكان يحمل روحًا، وكل نص هو حكاية حية تنتظر من يقرأها ويفهمها.
ثم تبدأ الاحتفالات: رقصات دائرية وطقوس موسيقية على الطبول والدفوف والأبواق الخشبية والجمهور يصفق ويهتف ويشارك في الطاقة الجماعية التي توحد البشر والآلهة معًا. تشعر وكأنك انتقلت من مجرد مراقب إلى جزء من هذا الطقس جزء من القلب النابض لأوغاريت.
وعندما يعلو صوت الرعد في السماء تذكرك الأسطورة بأن بعل هو من يحكم العواصف، وأن الصلوات والطقوس ليست مجرد شعائر بل جسر بين الإنسان والطبيعة والكون. الليل يزداد عمقًا ويختلط ضوء الشموع بالظلال، فتشعر بأن أوغاريت ليست مجرد مدينة بل حكاية حيّة تُروى في كل حركة في كل حرف في كل أغنية في كل صدى في الأزقة والجدران.
قبل أن تغادر المعبد تتوقف عند أحد الألواح المكتوبة تتأملها وتشعر بأنك لمست قلب لغة اختفت منذ آلاف السنين، لكنها تركت أثرها خالدًا في التاريخ والثقافة والإنسانية. تلك اللغة هي لغة أوغاريت هي همس الماضي الذي لا ينتهي، وصوت حضارة عظيمة ما زالت تهمس لنا من بين التراب والأحجار تنتظر من يفهمها ويعيشها حقًا..
سرد تاريخي
الصورة المرفقة إعادة تخيل لمدينة اوغاريت الأثرية كما تخيلتها البعثة الأثرية العاملة فيها