كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"عاليو مشمّل يامشمّلي".. نغمة الساحل العابقة برائحة التراث

د. غسّان القيم

في قلب جبال ساحلنا السوري الجميل حيث تتعانق رائحة الزهر البري مع نسيم البحر ويمتزج صوت الموج بخرير الينابيع، وُلدت الأغنية الشعبية التي ما زال صداها يملأ الذاكرة الريفية حتى اليوم.
هناك في قرى ريف الساحل السوري الممتدة من جبال اللاذقية وطرطوس إلى رأس البسيط وجبلة وبانياس تسمع صدح صوت الفلاحين والبحارة يحمل شجن الأرض وفرحها فكانت واحدة من أجمل تلك الأغاني:
"عاليو مشمّل يامشمّلي.. يابو الحطاطة منيّلي"
تُعد هذه الأغنية من التراث الغنائي الساحلي السوري الأصيل الذي تناقلته الأجيال مشافهةً دون أن يُعرف مؤلفها أو ملحنها الأول. فهي جزء من تلك الذاكرة الجمعية التي تحفظها الألسن وتورّثها القلوب.
كلمة "المشمّل" في اللهجة الساحلية تشير إلى الشخص الذي يجمع الأشياء أو "يلفّها" بمعنى رمزي فهو من يجمع الرفاق والأحباب حوله. لذلك جاءت الأغنية وكأنها نداء شوق إلى الغائب إلى "المشمّل" الذي رحل وترك خلفه اللوعة والحنين.
نشأت هذه الأغنية في بيئة ريفية طبيعية غنية بالعاطفة والبساطة. في أمسيات الصيف على سطوح البيوت الحجرية أو في السهرات التي تجمع أبناء القرية بعد يومٍ من العمل في الأرض كانت النساء يبدأن الغناء بصوتٍ عذبٍ ينساب كالماء:
"يامشمّل يامشمّلي...
يابو الحطاطة منيّلي..."
فينضم الرجال بردّاتٍ حزينةٍ أو شجية لتتحول الكلمات إلى حوارٍ غنائي بين الشوق والذكريات.
وقد حملت الأغنية في طياتها رموزًا محلية فـ"الحطّاطة" هي قطعة القماش أو المنديل الذي كان يُستخدم في العمل أو في الزينة، وأصبح في الأغنية رمزًا للحنين ودليلًا على الهوية الريفية الأصيلة.
تنتمي "يامشمّل يامشمّلي" إلى الأغاني الطقسية الريفية التي تُغنّى على إيقاع العتابا والميجانا وتُرافقها غالبًا آلة الناي أو المجوز.
إيقاعها الهادئ وكلماتها العاطفية يجعلان منها أغنية وجدانية أكثر من كونها فرِحة، فهي مرآة لوجدان الناس البسطاء الذين عبّروا عن شوقهم وفقدهم بصوتٍ دافئ يخرج من القلب.
ومع مرور الزمن أصبحت هذه الأغنية جزءًا من الهوية الموسيقية الساحلية السورية تُغنّى في الأعراس، كما في الجلسات الهادئة لأن فيها عبق الماضي وصوت الأرض.
تُجسد هذه الأغنية صورة الإنسان الريفي السوري الذي عاش على تماسٍ مع الطبيعة فتعلم منها الصبر والعطاء. وهي أيضًا وثيقة وجدانية تعبّر عن قيم الوفاء والحنين، والتشبث بالجذور.
لذلك لا عجب أن تبقى "يامشمّل يامشمّلي" حية في وجدان الناس رغم تغير الأزمنة. فهي ليست مجرد لحنٍ أو كلمات بل ذاكرةٌ تُغنّى تعيد إلى الأذهان أيام الطفولة وأصوات الأمهات وهنّ يغنين للأطفال تحت ضوء القمر...
رغم أن الأغنية ليست مباشرة من تراث أوغاريت إلا أن الروح الموسيقية الساحلية التي يحملها الإيقاع المتموّج التكرار النغمي الارتباط بالعناصر الطبيعية كالريح والبحر هي امتداد وجداني وثقافي لذلك الإرث الأوغاريتي.
يمكن القول إنها من السلالة الموسيقية نفسها التي تطوّرت عبر آلاف السنين على الساحل السوري، حيث ظلّ الإنسان هناك يُغنّي للبحر والحب والحنين بنفس اللحن العتيق.
أغنية “عليو مشمل يا مشمالي” قصيدة تنساب كالموج فيها نكهة الملح ودفء الشمس وحنينُ صيّادٍ ينادي الريح لتعيد له زمانه الأوّل.
هي ابنة الساحل السوري، وحفيدة أوغاريت التي علّمت العالم أول نغمة حبّ على وجه الأرض.
ما تزال هذه الأغنية تغنى حتى الآن في القرى الساحلية بصوت الشباب والشيوخ في الأعراس والمناسبات الشعبية. وكل مرة تُغنّى فيها كأنها تستيقظ من التاريخ لتعيش من جديد شاهدة على جمال البساطة وصدق العاطفة في تراثنا السوري.
إنها واحدة من تلك الألحان التي لا تموت لأن الناس هم من يحملونها في قلوبهم لا في الكتب.
فـ"يامشمّل" لم تعد مجرد نداءٍ للمحب الغائب بل هي رمزٌ لذاك الماضي الجميل الذي لا يزال حيًّا في ذاكرة الساحل بين البحر والجبل بين القلب والصدى.. 
برج صافيتا.. "البرج الفضي" و "القلعة البيضاء" من أهم المعالم الأثرية في الساحل السوري
نص مكتشف من أوغاريت.. فيه الكثير من الطرافة يتضمن تعويذة للشفاء من الإدمان على شرب الخمر..
البيوت القديمة في قرى الساحل.. مفردات معمارية تعبق بالذكريات
نص فخاري يتضمن رسالة من ملك قبرص إلى ملك أوغاريت يحذره فيها من احتمال تعرض مملكته للغزو..
القبور الملكية المكتشفة في قصر أوغاريت...
مدينة عمريت السورية... نموذج ثقافي مشرق عن التجربة الفينيقية
(العريبية) لعبة الصغار و أحد الطقوس العشتارية..
"عكّا" مدينة فلسطينية هزمت الغزاة على أسوارها.. و ستهزم الإحتلال الإسرائيلي يوماً ما..
الباحث في التراث الشعبي نزيه عبد الحميد يتحدث عن ذكريات العيد في صافيتا بطرطوس
حصن سليمان.. إعجاز أحالته الدهشة إلى الميثولوجيا
ماذا تعرفون عن يونانيي الحميدية بطرطوس؟!
كريت.. على شاطئها رقص (زوربا) رقصته الشهيرة.. تشكيل جغرافي ساحر و عميق تاريخي عريق
طنجة.. سادس أكبر مدينة مغربية و من أهم المواقع السياحية المغربية على البحر المتوسط
فن الزخرفة على العاج في أوغاريت والسرير العاجي الملكي نموذجاً
قلعة الكهف على غرار (قلعة آلموت) في بلاد فارس.. يكتنفها الكثير من الغموض والأسرار