كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جبل صفون بريف اللاذقية

د. غسّان القيّم

من علّوٍ يلامس الغيم يقف جبل الأقرع أو جبل صفون شامخًا فوق الأرض التي كانت يومًا ما حدودًا طبيعية لمملكة أوغاريت قبل أربعة آلاف من الأعوام.
جبل صفّون ليس مجرّد كتلة صخرية تراقب البحر، بل شاهدٌ صامت على حضارات تعاقبت وأساطير وُلدت وملاحم صيغت على سفوحه حجراً حجراً.
من أعلى القمة تبدو الأرض حوله كصفحات كتابٍ قديم.. كل وادٍ فيه سطر وكل قرية كلمة وكل نسمة بحر تنقّل سرًّا من أسرار الزمن.
هذا الجبل لم يكن يومًا مجرد تضاريس، بل كان رمزًا دينيًا وروحيًا مقدسًا منذ أقدم العصور.. كانت تتجه إليه الأبصار وعليه تُبنى المعتقدات، وفي حضرته كانت الآلهة تُنسب والطقوس تُقام.
كان جبل الأقرع في قلب أوغاريت أشبه بالبوابة التي تربط الأرض بالسماء.
تحدثت عنه النصوص الفخارية القديمة، وذكرته الأساطير السورية والكنعانية والأوغاريتية بوصفه عرش الإله "بعل" ربّ العواصف والمطر المكان الذي تنطلق منه البروق وتتهادى فوقه الغيوم ككتائب سماوية.
ومع مرور القرون الطويلة ظلّ الجبل يحمل تلك الهالة المقدسة التي منحت سكان المنطقة شعورًا بأنهم يعيشون تحت عين الآلهة ورضاها.
وعلى الرغم من صمت الصخور، فإن الجبل يختزن بين شقوقه آلاف القصص التي لم تُكتب بعد.. إنها قصص مزارعين صعدوا للتقرّب من آلهتهم وكهنةٍ سجلوا الطقوس على ألواح الطين، ورحّالة حدّقوا في البحر من ارتفاعاته الشاهقة بحثًا عن سفن تعود من قبرص أو كريت.
جبل الأقرع هو الذاكرة الحيّة لأوغاريت؛ ذاكرةٌ تتنفس بين أطلال القصور، وبين ما تبقى من جدران المرافئ القديمة التي كانت تعجّ بالتجار والبحّارة. إنه مرآة الماضي ومتحف طبيعي مفتوح وموطن لملاحم وأساطير لا يزال الكثير منها غائبًا عن حكايتنا الحديثة.
ولعلّ أجمل ما في هذا الجبل أنه يمنح كل من يقف فوقه شعورًا بأنه يحتضن الزمن كله.. الماضي السحيق والحاضر الهادئ وما سيأتي من قصص لم تُروَ بعد.
جبل صفون.. ليس مجرد قمة صخرية، بل تراثٌ ميراثي ومساحة روحية وكتابٌ مفتوح على أربعة آلاف عام غبرت مضت وانقضت من الحكايات التي تنتظر مَن يستمع إليها… كي يقولها الجبل أخيرًا.