كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأغاني التراثية الساحلية.. نغم البحر في الذاكرة التي حملت صوت الموج ودفء الناس

د. غسّان القيّم

 نتابع معكم الجزء الثاني من الحكاية مع رحلة من أشهر الأغاني في الموروث الساحلي السوري، تلك التي حملت صوت الموج ودفء الناس عبر العقود، وصارت جزءًا من هوية الساحل وأهله.
1. اغنيه "يا مال الشام".. نداء الحنين والذاكرة
رغم شهرتها في كل أنحاء سوريا فإن جذور أغنية يا مال الشام تمتد إلى الساحل السوري تحديدًا حيث البحر أول من علّم الناس معنى الحنين والبعد.
“يا مال الشام” ليست مجرد غناء للعاصمة، بل هي رمز للوطن والحبيب والمكان الأول.
يُقال إن أصل اللحن من أهازيج البحارة في اللاذقية وطرطوس، وكانوا يرددونه عند الغروب حين يلوّنون شباكهم بالملح والانتظار.
ومع الوقت انتقل اللحن إلى المدن الداخلية، فصار رمزًا للشوق الشامي.
يا مال الشام يا حبيّ يا غالي
عَ قلبي تِنام تِنام الليالي...
هذه الكلمات البسيطة تحمل موسيقى العاطفة الساحلية شجن لا يهدأ، وحبّ لا ينتهي.
2. "يا رايحين عاللاذقية".. أغنية الطريق إلى البحر..
أغنية خفيفة على اللسان، لكنها ذات عمق تراثي كبير.
ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، وكانت تُغنّى في المناسبات الشعبية عند السفر أو الوداع.
اللاذقية كانت بالنسبة لأهل الداخل بوابة البحر، فكانت الأغنية بمثابة وعد باللقاء والعودة.
يا رايحين عاللاذقية حَمّوا سلامي عالبحر...
اللحن مستوحى من إيقاعات الميجنا الساحلية بإيقاع ثلاثي بسيط يشبه خفق الأمواج. وتُعد هذه الأغنية اليوم من رموز الغناء الشعبي السوري الذي يجمع بين الجبل والساحل.
3. "هالأسمر اللون".. بين الجبل والبحر
تُعتبر من الأغاني الشعبية الساحلية القديمة التي جمعت بين الطابع الجبلي والملمس البحري.
يُقال إن أصلها من قرى ريف اللاذقية، وغالبًا ما كانت تُغنّى في الأعراس أو السهرات الريفية.
تحمل الأغنية روحًا احتفالية مليئة بالدفء والأنوثة، وتعبّر عن جمال الإنسان البسيط الذي يعيش بين الزيتون والموج.
هالأسمر اللون يا لالا، يا شو محلاه
غاب وترك لي العيون سهرانة...
الأسمر هنا رمز للحبيب البحّار الذي يغيب في البحر ويعود محمّلًا بالحكايات.
4. "عالبال يا عصفور" لحن النسيم البحري
هذه الأغنية رغم انتشارها بصوت فيروز لاحقًا، تنحدر من أصل شعبي ساحلي قديم كان يُغنّى في الليالي الطويلة قرب الشاطئ.
فيها لغة رمزية ناعمة العصفور هو المسافر والنسيم هو حامل الرسائل والمكان هو البحر الدائم الحضور في خلفية المشهد.
عالبال يا عصفور الطاير من السما العالي...
تُعتبر من الأغاني التي جمعت بين الوجدان الساحلي واللحن الشرقي العذب ما جعلها قادرة على عبور الأجيال دون أن تفقد بريقها.
من الأغاني النادرة التي تحتفظ بطابعها العملي الوظيفي، إذ كان الصيادون يرددونها عند الإبحار فجرًا.
الإيقاع ثابت ومتواتر يتماشى مع حركة المجاديف والكلمات بسيطة جدًا، لكنها مشحونة بالرهبة من المجهول والرجاء في الرزق.
طالع عالبحر يا يمّا والموج عالي...
ردّي دعاويك يمّا عالسفينة الغالي...
فيها مزيج من الإيمان الشعبي والخوف الوجودي، وهي تعكس علاقة الإنسان الساحلي مع البحر كقوةٍ أكبر منه، لكنه لا يستطيع إلّا أن يعود إليها.
كل هذه الأغاني الساحلية مهما اختلفت في اللحن أو المناسبة تشترك في شيءٍ واحد:
إنها صوت الإنسان الذي عاش بين الملوحة والحنين.
فهي ليست مجرد موسيقى، بل ذاكرة شفوية كاملة توثق حياة الناس، وعلاقاتهم، وعاداتهم وحتى لغتهم اليومية.
ولذلك يقول أحد الباحثين في التراث الساحلي:
“كل أغنية ساحلية هي موجة من التاريخ تمرّ وتترك أثرها في الرمل، لكنها لا تختفي أبدًا.”.