"البربارة" طقس الحياة والخصب وحكاية القمح والفرح في الساحل السوري وأهازيج الدفء في ليالي كانون
2025.12.03
د. غسّان القيّم
يُعدُّ طقس البربارة من أهم الطقوس الشعبية التراثية العريقة في ريف الساحل السوري، ويمثّل مزيجًا جميلًا من الموروث الديني والعادات الريفية القديمة.
يحتفل الناس بهذا الطقس سنويًا في الرابع من كانون الأول إحياءً لذكرى القدّيسة بربارة التي تُعتبر رمزًا للشجاعة والإيمان في التراث المسيحي الشرقي.
ويتميز هذا الطقس بطابعه الفولكلوري والإنساني حيث يجمع الناس من مختلف الأعمار حول الأهازيج والمأكولات التقليدية وأجواء الفرح الجماعي.
تعود جذور عيد البربارة إلى قصة القديسة بربارة التي عاشت في القرن الثالث الميلادي، وكانت شابة من عائلة وثنية آمنت بالمسيح رغم الاضطهاد فتعرضت للسجن والتعذيب. وعندما حاولت الهرب من سجّانيها ساعدتها الطبيعة وفق المعتقد الشعبي بأن انشقّ الجبل أمامها لتختبئ فيه.
ومن هنا جاءت عادة تحضير القمح المسلوق في هذا اليوم رمزًا للحياة والنمو بعد العناء.
في قرى الساحل السوري يُحتفل بالبربارة بطقوس مميزة تتوارثها الأجيال منها:
تتكوّن أكلة "البربارة" من القمح المسلوق الممزوج باليانسون والقرفة والسكر، ويُزيَّن بالمكسّرات والزبيب. ويرمز القمح إلى خصوبة الأرض ووفرة الخير..
ومن الأمثلة التي تقال في عيد البربارة..
/بالبربارة رجع الحب ع كوارة.. كناية عن ان عملية زراعة الأرض تكون قد انتهت والحبوب التي لم تزرع يجب إعادتها الى مخابئها لانه لافائدة من زراعتها بعد الآن..
ومن طقوس البربارة يقوم المحتفلون بإشعال كومة من الحطب والبلان أمام كل بيت خاصة في الريف، ويقوم الأطفال بالطواف حولها وهم يرتدون أزياء تنكرية، أو يضعون الأقنعة وهم يرددون قائلين..
/بربارة قدسة رموكٍ بالديسة وكبوا عليك صحن هريسة/
"هاشلة بربارة مع بنات الحارة..."
فيُكافأون بالحلويات والمكسرات في جوّ من البهجة والتآلف.
تُزيَّن البيوت بحبوب القمح والشعير المنقوعة حيث تُزرع قبل أيام من العيد لتنمو خضرتها رمزًا للتجدد.
كما تشتعل المواقد وتُروى الحكايات التراثية في السهرات العائلية.
يُعد هذا الطقس الجميل جزءًا من التراث اللامادي الذي يجمع بين المعتقد الديني والممارسات الشعبية مما يجعله نموذجًا للتنوّع الثقافي في سوريا.
ويبرز دوره في تعزيز روح الجماعة والحفاظ على الذاكرة الشعبية حيث يتناقل الأهالي الحكايات والأغاني من جيل إلى آخر.
رغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية لا يزال أبناء الريف الساحلي يحافظون على جوهر الطقس، وإن تغيرت بعض مظاهره.
فقد دخلت الحلويات الحديثة والزينة الجاهزة، لكن روح البربارة، أي الفرح والتآلف بقيت حاضرة في كل بيت.
يختزن طقس البربارة في ريف الساحل السوري ذاكرة جماعية تعبّر عن حب الحياة والتجذر بالأرض والإيمان.
إنه مثال حيّ على قدرة الإنسان على تحويل المعتقد إلى احتفال بالخير والخصب والفرح.
لذا فإن الحفاظ على هذا التراث وتوثيقه للأجيال القادمة هو واجب ثقافي وإنساني.
المراجع والمصادر التي استند إليها البحث:
روايات شفوية من أهالي ريف اللاذقية وطرطوس.
دراسات حول التراث الشعبي السوري وزارة الثقافة السورية.
كتاب الطقوس الشعبية في بلاد الشام للدكتور عبد الكريم الأشتر.
موقع البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية – قسم الأعياد والقديسين.