كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سقوط كنيسة آيا صوفيا

الأب موريس خوري

 يدّعي البعض بمنتهى الكذب والوقاحة أن محمد (الفاتح) اشترى الكاتدرائية غافلين عن ما حدث من بشاعة وإجرام وإرهاب.
بنيت آيا صوفيا الشامخة في العام 537 على يد امبراطور بيزنطي جوستنيان الاول فوق تلة وسط عاصمة الامبراطورية المطلة على مضيق البوسفور عند اخر بقعة أوروبية مقابل المشرق المسيحي آنذاك الممتد من مصر حتى سوريا ولبنان وجبال الاناضول وكيبدوكيا وارمينيا واعتبرت تحفة ومعجزة معمارية مبهرة ببنائها الضخم وصحن قبتها الضخم وقاعة هيكلها الشاسع المتسع لآلاف المصلين وهندستها الفريدة التي لا مثيل شرقا وغربا لها سوى الاهرامات.
استمرت تلك الكنيسة في خدمة المسيح والروح القدس لأكثر من ألف عام شهد فيها جرن العماد بركة آلاف الاطفال وسمعت جدرانها طلبات الفقراء والمرضى والمحتاجين.
وفي يوم اسود من العام 1453 وصل السلطان التركي محمد الثاني إلى مشارف المدينة عاقدا النية على احتلالها بعد أن بقيت عصية على أجداده لمئات الاعوام وقبله الخليفة الأموي معاوية في القرن السابع..
وعد السلطان جنوده بان تكون المدينة ملكهم لثلاثة ايام ونساؤها جواري لهم، لتشجيعهم على القتال.
حوصرت المدينة لمدة 52 يوما ودخلها جند الأتراك في ٢٩ أيار بعد اختراق جدرانها. وبدأت مذبحة وعمليات اغتصاب هي الاكبر في التاريخ.
قطعت رؤوس عشرات آلاف الرجال بمرأى من نسائهم بعد أن شهدوا اغتصاب بناتهم. واستمر سماع صراخ الفتيات طوال الليل المليء بالحرائق ورائحة الموت والدماء وتناوب الجند على انتزاع الفتيات الصغيرات من أيدي رفاقهم واغتصابهن مع امهاتهن.
أما الكنيسة التي اختبأ فيها وفي ساحاتها واقبيتها أكثر من خمسة الاف شخص فاقتحمها السلطان وكتيبته الخاصة وتوجهوا فورا إلى المذبح وأخذ البطريرك مع كبار الاساقفة والكهنة وقطعت رؤوسهم داخل الكنيسة. أما الرجال فسيقوا إلى الخارج وقتلوا واحدا تلو الآخر على مرأى من عائلاتهم. ثم جمع الاطفال الذكور وكبلت أرجلهم بالسلاسل تمهيدا لبيعهم كعبيد.
بعدها جرت حفلة اغتصاب جديدة للنساء والفتيات انتهت بتكبيلهن تمهيدا لاهدائهن الى الامراء وبيعهن في أسواق العبيد.
قيل يومها إن أصوات العويل اخترقت قناة البوسفور وبلغت إلى جهته الاخرى. وانفصل الأطفال عن أمهاتهم وجروهم بعيدا والحديد في أعناقهم.
وكسرت أبواب الكنيسة البرونزية وأحرقت الأيقونات النادرة وذخائر القديسين خارج الكنيسة ونهب ذهب الايكونستاس الكبير. ولم تنتهِ المذبحة إلا بوصول السلطان ليعاين المبنى الذي راقبه مع أبيه عن بعد لسنوات طامعا فيه وأعلن تحويله إلى مسجد وعاقدا العزم على الصلاة فيه بعد أسابيع. فتسلق إمامه الخاص القبة الكبرى وأنزل الصليب المثلث وسط تكبيرات الجنود وتلا الشهادتين بصوت عال معلنا تحويل الكنيسة إلى مسجد.
بعدها جرى غسل الدماء عن أرضية الكنيسة وطمست الفسيفساء عن الجدران وأخفيت أيقونة العذراء التي فوق المذبح وأيقونة المسيح الذهبية التي في أعلى المدخل وطلست الجدران بالكلس لإخفاء المعالم المسيحية لكن الكلس كان يذوب وتظهر الفسيفساء مجددا.
وفي أول حزيران حضر السلطان مع قادته وصلى صلاة الجمعة بحضور شيخ الاسلام لتنتهي حقبة مجيدة من تاريخ تلك الكنيسة الرائعة.
وحاول الكثير من السلاطين تقليدها واستقدموا بعد سنوات مهندسا من أصول أرمنية رومية اعتنق الاسلام لانقاذ أهله وبلدته اسمه سنان، لكن ما بناه كان مجرد تقليد باهت أمام شموخ كنيسة بنيت قبل ألف عام.
وحتى اليوم تبقى آيا صوفيا المعلم الأهم في المدينة وقبلة السياح، يزورها أكثر من ثلاثة ملايين زائر سنويا. وكثيرا ما تلمح أحد السياح منتحيا في سره جانبا، ناظرا إلى الأعلى، إلى العذراء مريم التي تشمخ فوق المذبح المسلوب، مناجيا ومبتهلا ومصليا لها في أسرها الطويل.