كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الرأس العاجي الاوغاريتي وجهٌ يطلّ من أربعة آلاف عام وما زال يفيض دهشة وهيبة

الرأس العاجي الأوغاريتي… وجهٌ يطلّ من أربعة آلاف عام وما زال يفيض دهشة وهيبة كأنه ما زال يتوهّج تحت ضوء المصباح في ساحة القصر الملكي..

د. غسّان القيّم
في إحدى ساحات القصر الملكي في مدينة أوغاريت الأثرية حيث كانت خطوات الملوك تترك في التراب ظلّ القرارات والمراسيم، وحيث كانت الشمس تنكسر على جدران الحجر الكلسي، وُجد شيء لم يكن بالحجم الكبير… لكنه حمل ثِقَلَ عالمٍ كامل.
قطعة صغيرة من العاج ارتفاعها خمسة عشر سنتيمتراً فقط تحمل الرقم:"Rs 18.221".. محفوظة اليوم في المتحف الوطني بدمشق.. لكنها في الحقيقة هي محفوظة في ذاكرة العلم، وفي فضول كل من اقترب من حضارة أوغاريت.
تخيّل تلك اللحظة.. بينما كانت أدوات التنقيب الأثري في سنوات القرن الماضي وتحديداً في ساحة القصر الملكي تخدش التراب بهدوء محسوب كأن الأرض تتنفس سرّاً انزاحت طبقة رقيقة من الغبار فظهر وجه لا لم يكن وجهاً كاملاً… بل هالة وجه كتلك التي تنحتها يد فنان لا يريد للصمت أن يغلب الزمن.. عاجٌ مصقول دافئ اللون يحتفظ بلمعة خفية رغم آلاف السنين وكأنه ما زال يسمع الهمسات التي كانت تدور في القصر الملكي.
منذ لحظة اكتشافه دخل هذا الرأس الصغير في عالم الجدل.
علماء الآثار وقفوا أمامه مثلما يقف السائل أمام لغز..
هل هو وجه امرأة ملكية تنتمي لسلالة كانت تحكم البحر والتجارة؟..
أم هو وجه رجل من النبلاء ملامحه ناعمة إلى حد يربك كل معيار؟
أم هو أبعد من ذلك… وجه إلهة أوغاريتية سورية كانت تُكرّم في القصر نفسه؟
الملامح هادئة، تقاسيمها دقيقة العينان منحوتتان بواقعية توحي بأن الفنان كان ينظر إلى وجهٍ يعرفه جيداً… أو يهاب رسمه.
لكن ما جعل الكثير من الباحثين يميلون إلى أنه وجه إلهة هو تلك التفاصيل الدقيقة عند الجبين:
خصلات شعرٍ مرصّعة كانت سرّ الترجيح منحوتة بعناية فائقة كأنها تيجان صغيرة من الضوء.
هذا النوع من الترصيع كان شائعاً في تماثيل الإلهات رمزاً للخصب والجمال والقوة.
لذلك يرى بعض العلماء أن الرأس ربما كان جزءاً من تمثال كامل ربما لواحدة من الإلهات اللواتي عبدوا في القصر الملكي عشيرة عناة أو ربما إلهة ثانوية ارتبطت بطقوس القصر.
اختيار العاج لم يكن صدفة.
ففي أوغاريت، كما في معظم ممالك الشرق القديم كان العاج مادة ثمينة لا تُستخدم إلا في القصور والمعابد. المادة التي لم تكن تختار إلا للملوك آنذاك..
كان رمزاً للنقاء والرفعة يتوهج حتى في العتمة وينقل الضوء كما تنقله المرآة الهادئة.
وبما أن الرأس اكتُشف داخل ساحة القصر الملكي، فهذا يعزز الاعتقاد بأن صاحب الوجه لم يكن شخصاً عادياً.. بل كان جزءاً من عالم السلطة أو العبادة أو كليهما.
خمسة عشر سنتيمتراً… وكونٌ كامل من الأسئلة.. هذا الرأس الصغير الذي لا يتجاوز ارتفاع كأس من الطين جعل علماء الآثار يتجادلون لأعوام عديدة حوله..
فأحياناً قطعة صغيرة تكفي لتفتح أبواباً كبيرة من التساؤلات تحتاج إلى إجابات شافية
ماذا كان دور هذا الراس داخل القصر الملكي؟..
هل كان يُحمَل في طقس شعائري خاصة بالقصر؟..
هل كان يُثبَّت على صندوق أو عصا أو تمثال كامل؟
هل كان وجهاً يُصلّى أمامه.. أم وجهاً يُهيّب منه؟.
كل هذه الأسئلة والاستفسارات ما زالت عالقة.. لأن الزمن لم يترك لنا إلا هذه القطعة وحدها وكأنه يقول:
“حلّوا هذا اللغز بأنفسكم.”
أوغاريت… مدينة تمنحك جزءاً وتخفي جزءاً..
هكذا تفعل أوغاريت دائماً تعطيك قطعة وتخفي ثلاث قطع.
تمنحك رأساً عاجياً وتترك بقية الجسد في ضباب أربعة آلاف سنة.
لكن هذه هي متعتها وهذه هي لذّة البحث فيها:
كل اكتشاف ليس جواباً… بل بداية سؤال جديد..
اوغاريت لي وحدي من باحت له بأسرار لم تبحها لغيري من سبقني إليها إنها أسرار العاشقين..
"سينك تير" الإيطالية على ساحل المتوسط.. تشكيل جغرافي و معماري مفعم بالجمال
قلعة المرقب شاهد حي على عظمة الحضارة السورية
مقتنيات قديمة يجمعها العم إسماعيل محمود في معرضه للتراث الشعبي ببلدة الدالية
أهازيج الحصاد تراث ساحلي جميل يوثقها الباحث حسن اسماعيل خوفاً عليها من الاندثار
الاسكندرية.. عروس البحر المتوسط
منهج تعليم الكتابة في أوغاريت
عمريت أكبر مدن الشرق في القرن الثالت والثاني قبل الميلاد
السلالة والعائلة الملكية قي أوغاريت.. بناءً على ضوء المكتشفات الأثرية
قلاع الفرنجة في "طرطوس".. شواهد على عصر
"جبلة" مدينه فينقية على الساحل السوري
"زاكينثوس" ثالث أكبر الجزر الأيونية وإحدى مقاطعات اليونان
المتقمة.. مجمع أدوات الخياطة و الزينة و غيرها من الأدوات في البيوت الساحلية القديمة
موقع أثري في سوريا قد يكون أقدم نصب حرب تذكاري معروف في العالم
جبل السيدة الجبل الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يحمل هذا الاسم
عشتر إله الري الصناعي في أوغاريت.. جلس على عرش بعل فلم تصل رأسه إلى قبته و لم تلمس قدماه الأرض