كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قَرْيَةُ العَرْمَةِ وَحُسَيْن رَمَضَان

تَنقَّلَ الشَّيْخُ علي عبد الرّحمن ١ (ق) خلالَ مَسِيرةِ حَياتهِ إلى قُرىً كثيرةٍ تعرّفَ خلالَها على الكثير مِنَ النَّاس الأفَاضلِ، فَصَادَقهُم وَأحبّهُم، فَأحبّوهُ وَأجلّوهُ وَاحترَمُوهُ، وَانتقلَ مِن قرية "الحيصا" إلى قرية "تلعبّاس الشّرقي" ثمّ إلى قرية "نبْع الغزَيْلة"، وَبَعْدَ هاتَيْنِ القَرْيَتَيْنِ سَكنَ بجِوار أخيهِ في اللهِ وَعديلهِ السيّد حُسَين رمَضَان٢ (جدّ آلِ رَمَضَان في جبل محسن، وعكّار/لبنان) في قرية "العَرمة". تلكَ القريةُ الوادِعَة التي تتموضَعُ في سَهْلٍ مُنْبَسَطٍ، وَتُشْرِفُ على النهر الكبير الجنوبي، وَذلك سنة 1950م.
وَعاشا معاً حياةً كريمةً مَع مَجموعةِ إخوانٍ كِرَامٍ، فَيَسْتَيْقُظانِ حِينَ انبلاجِ الفَجر، وَيُصَلِّيانِ الصَّلاةَ بتمامِها، وَيتزوّدانِ بزوّادةِ التوكّلِ على اللهِ. وَعندما تُرسِلُ الشَّمْسُ خيوطَها الذّهبيّةَ يكونانِ قَد وَصَلَا إلى الأرضِ السَّهْلِيَّةِ الَّتي تُغازِلُ النَّهْرَ الكبيرَ الجَنوبيَّ، وَغربها قرية "جينين" التي يحرسُها وَلِيّا اللهِ الشيخ يوسف، وَوَالدُهُ الشيخ عبدالله "ق" - وَأمامَهُمَا ثَوْرَا الفِلاحَةِ، وَيُباشرانِ العَملَ بحَزْمٍ وَعَزْمٍ، وَيُراقبانِ استقامةَ الصّمد في الأرضِ الرَّطبةِ.
وَعِندما يَشعُرانِ بالوَصَبِ يرتاحانِ - وَكأنّي أراهُما يجلسانِ على الأرضِ الغنيّةِ المِعطاءةِ وَيتجاذبانِ أطرافَ الحديثِ، وَيُخرِجُ "حُسَيْن رَمَضَان" عُلبةَ الدُّخانِ العَربيّ، وَيلفّهُ بوَرقةِ الشام الأصليّة، وَيقدُحُ مِنَ الفتيلةِ الطَّويلةِ نارَ الشُّعلَةِ، وَينفخُ نَفخةً تَختَصِرُ مُعظمَ أتعابهِ، ثم يُعاوِدان العملَ إلى أوانِ العَصرِ، فيَرجِعانِ إلى القريةِ كُلٌّ إلى منزلهِ.
وَعِندَ المَساءِ يجتمعُ رِجالُ القريةِ في منزلِ "حسين رمضان" حيثُ المنزولِ الكبيرِ الواسِعِ، وَالضّيافةُ شَهِيَّةٌ، وَالطَّعامُ لذيذٌ، فمِنَ السَّمْنةِ البلديّةِ إلى الشنكليش، وَالبَصَلِ اليابسِ، وَالأخضَر إلى القريشةِ وَالعسَلِ، وَالزيتونِ، وَاللَّبْنةِ وَالعَيْتونِ، وَالبَيْضِ المَسْلوقِ. وَكأنّي أرَى "فطَّوم الشَّاويش" - أمّ أحمَد - تُسَاعِدُها أختُها النَّشيطة "خَضْرَة الشَّاويش" - أمّ مُحَمَّد - في إشعالِ نارِ التنّورِ لِتَحضيرِ الخُبْزِ السّاخِنِ وَالمُقَمَّرِ، فيأكُلُ الشَّيْخُ علي وَجميعُ ضُيوفِ "حُسين" بِشَهِيَّةٍّ وَحُبورٍ.
وَبعدَها يَشرَبُونَ الشَّاي وَالقهوةَ العربيّةَ، ثمّ يَتَمَشّونَ إلى فنَاءِ الدَّارِ، وَيفترشونَ الأرضَ، وَيسندونَ ظهورَهُم المُتعَبَة على مَساندِ القَشّ، وَالوقتُ صَيْفٌ، وَالنَّسائِمُ عَليلةٌ، وَالسّمَاءُ سَاحِرَةٌ، وَالنُّجُومُ مُتَلألِئَةٌ كأنَّها زُهُورٌ مُطرَّزَةٌ بِخُيوطٍ حَريريّةِ الَّلمَعَانِ، فيسهَرونَ، وَيُنْصِتُونَ إلى حَديثِ الشّيخ علي (ق)، وَهُوَ يَشرَحُ لَهُمْ عَنْ معاني الأُلفةِ، وَالمَحبّةِ، وَالتعاونِ بينَ أفرادِ الشَّعبِ، وَنَشْرِ أسبابِ الخَيْرِ، وَنَبْذِ الفُرْقَةِ، وَالتَّناحُرِ، وَنَزْعِ الحِقْدِ، وَالحَسَدِ، وَالكَرَاهِيّةِ مِنَ القلوبِ.
وَكانَ النّاسُ وَقتهَا يُطلِقونَ على "حُسَيْن" لقباً هُوَ: حَاتِمُ طَيْ - حَاتِمٌ الطَّائِيُّ - لِكَثْرَةِ كرَمِهِ، وَجُودهِ، وَإيثارِهِ المُؤْمِنينَ على نفسهِ، وَعِشْقِهِ لأولياءِ اللهِ الصّالِحينَ (ق)، وَعَطْفِهِ على الفُقراءِ وَالمَعدومينَ.
كانَتِ الدُّسُوتُ لا تَخْبُو جذْوَةُ نارِها، وَفي أيِّ وقْتٍ يَمُرُّ النَّاسُ الجِياعُ، فالمائِدَةُ عامِرَةٌ بالبُرْغُلِ، وَلَحْمِ الخَروفِ المَسلوقِ، وَاللبَنِ الرَّائِبِ، وَخُبزِ التنّورِ، وَيَختِمونَ شبَعَهُم بِكؤوسِ العِيران الباردةِ، وَالخابِيَةُ مَلْأَى إنْ طلَبوا الزّيَادةَ.
وَإنْ أحَبَّ (أوَادِمُ) القريةِ الصُّعودَ إلى جبلِ القريةِ، فلَهُمْ ذلك - جَبَلُ العَرْمَةِ - يُطَلُّ مِنْهُ على الجُرْدِ الأوْسَطِ من عكّار اللبنانيّة، وعلى قَرَيَتَيْ "أدلين"، وَ"العامريّة" السّوُريَّتيْنِ، وَيُشرِفُ على القُرى اللبنانيّة "جينين"، وَ"العبّوديّة"، وَ"ضَهْر القنْبَرّ"، وَ"شير حميرين".
وَقَد ذكرَ لي والِدي الحَاجّ أحمَد حُسَيْن رَمَضـــــان (رَحِمَهُ اللهُ):
"أنَّ وَالدَهُ قَدِ انتقلَ مِن مسقطِ رأسهِ في قرية "المُصَلّى" إلى قريةِ "المزاحمة" قبالة قرية "هيتلا"، وَبعدَها إلى قرية "العرمة" سنة 1948م، فكانَ هوَ أوَّلَ مَنْ سَكنَها بَعدَ التَّهْجيرِالقَسْرِيّ لأهلِ القريةِ مِنْ قِبَلِ العُثمانيّينَ بواسطةِ أزلامِهِم (البَكَوَات)، وَبَعدَ "العرمة" يَتوجَّهُ إلى قرية "دارين" حيث يبقى فيها لِحينِ وَفاتهِ سنة 1965م، فَيُدفَنُ بجانبِ مقامِ وَليّ اللهِ الشيخ السُّلطان أحمَد (ق).
وَقَد ذَكرَ لي الشيخ عبد الرّحمن علي عبد الرّحمن (ق): أَنّ قريةَ "العَرْمَة" قديمةُ العَهْدِ، وَكانَ سُكّانُها القُدَماءُ مِنَ المُسلِمينَ العَلَوِيّينَ الَّذينَ تَمَّ تَهْجيرهُمْ مِنْ قِبَلِ العُثمانيّينَ عَبْرَ وُكَلائِهِم البكوات، كمَا طَرَدُوا أهالي قُرىً غيرها كـَ"العامِريّة" وَ"البغدادي" وَ"دَنْكة" وَ"القْصير" وَ"فريْديس" وَ"الباردة" وَ"شَيخلار" وَ"قبُور البِيض" وَ"خربة الرُّمّان" وَ"الخالْصَة" (كلُّ أهاليها مِنَ المُسلِمينَ العَلويّينَ).
وَالدليلُ هُوَ مَا حَدّثهُ بهِ الشَّيخ عبّود سَلامِي (ق) وَهُوَ مِمَّنْ شَاهَدَ بِأُمِّ عَيْنَيْهِ حَالةَ الطَّرْدِ وَالتَّهْجيرِ القَسْرِيّ لِأَهلِ قرية "العَرْمَة"؛ إِذْ كانَ عُمْرُهُ حينَها سِتّ سَنواتٍ، وَقَدْ هَرَبَ أَهْلُهُ وَهُمْ يَحمِلُونَهُ - قاطِعينَ بهِ النَّهر الكبيرالجنوبيّ - باتّجاهِ قرية "أدلين" على الضفّة الثانيةِ مِنَ الحُدودِ السُّوريَّةِ.
وَعندَما يَتوفّى اللهُ الشيخَ عبّود سَلامي سنة 1962م يقومُ أبناؤهُ بِدَفْنِهِ في مَقبرةِ الغُرَبَاءِ في منطقة الزّاهرية/طرابلس - لبنان، وَاسمُهُ في تَذكرةِ الهُوِيَّة: عبّود أحمَد مُحمّد.
وَقَد ذُكِرَ لي: "أَنّ الشيخ عبّود سلامي كان يعمَلُ في شبابهِ في سِكّةِ الحديدِ التي كانَ لَها مركز في قرية "تلعبّاس الشرقي".
وَسأذكرُ بَعضاً مِمَّا تَسنّى لي معرفتُهُ مِنْ أسماءِ العائلاتِ التي سَكنتْ قرية "العَرمة" ابتداءً مِنْ سنة 1948 (بِالْأَسْبَقِيَّةِ):
آل رمضان :
(مُمَثَّلونَ بالسيّدَيْن حُسين رمضان "أبو أحمد" وَأخيه محمود رمضان "أبو محمّد").
الشَّيخ علي عبدالرّحمن (ق).
الشَّيخ أحمد محمود الشاويش (خال والدي)
الشيخ إبراهيم بلّول.
السيّد أحمد ابراهيم (صهر الشَّيخ علي عبدالرّحمن).
السيّد حسن الدّحباشي (أبو عبدو).
السيّد مُحَمَّد صالح الملقَّب بالفقير (أبو حيدر).
السيّد سليمان الحجل (أبو محمّد).
الشَّيخ مصطفى اليوسف.٣
-----------------------------------------------------------
١ هو الشيخ علي عبد الرحمن سليمان (ق) ويمتد بنسبه الطاهر إلى الأمير المُرسَل الكِناني الكلبي الصوفي (ق)، فإلى الأمير الشيخ علي بن عيسى الجسري (ق). توفّاهُ اللَّهُ سنة 1976م، ودُفِنَ في جبّانة طرطوس، وبعد سنة (1977) تمّ فتحُ قبرِه؛ وإذ بجثمانِه الطاهرِ كأنَّهُ دُفِنَ لِتَوِّهِ، فَتَمَّ نقلهُ إلى مقبرة الحيصا - سهل عكّار/لبنان، وتَمَّ دَفنهُ بجانب ضريح وليِّ اللَّهِ الشيخ محمَّد العجمي (ق)
٢ هُوَ السيّدُ الفاضِلُ حُسَين بن رمضان بن علي بن ديب يمتدُّ نسبُه إلى الشيخ علي بن معروف (ق)، فإلى الأمير حسن ابن الأمير يوسف بن المكزون السنجاري (ق). وُلِدَ في قرية "المُصلّى" - عكّار سنة 1898م.

٣من كتاب (الشيخ علي عبد الرحمن مسيرةٌ وسيرة؛ الكاتب زين العابدين أحمد رمضان)

صفحة وحي الأسرار