بين التراب والخلود فلسفة الحياة والموت والبعث في المعتقد الأوغاريتي
2026.01.01
د. غسان القيم
أمدّتنا الألواح الفخارية المكتشفة في مدينة أوغاريت برصيدٍ معرفي بالغ الأهمية كشف لنا عن ملامح دقيقة عن الديانة الأوغاريتية وعن تصوّرات أهلها للحياة والموت والبعث والخلود.
لم تكن هذه التصوّرات مجرّد معتقدات طقسية معزولة بل شكّلت رؤية فلسفية متكاملة للوجود الإنساني وحدود الإنسان ومكانته بين عالم البشر وعالم الآلهة.
آمن الأوغاريتيون بأن الخلود صفة إلهية خالصة لا ينالها البشر مهما امتدّت أعمارهم. فالموت في نظرهم قدرٌ حتميّ لا مهرب منه وهو النهاية الطبيعية لكل إنسان. وقد عبّرت النصوص الأسطورية عن هذا الإدراك بوضوحٍ لافت ولا سيّما في ملحمة أقهات بن دانيال التي تُعدّ من أعمق النصوص الأوغاريتية في تناولها لمعضلة الموت والخلود..
في هذه الملحمة تعرض الإلهة عنّاة على أقهات وعداً بالحياة الأبدية والخلود إلا أن ردّه يأتي صريحاً وحاسماً معبّراً عن وعي إنساني عميق بحقيقة المصير:
"لا تكذبين أيتها البتول.
إن الموت هو نهاية كل إنسان.
سأموت موتاً،
وسيُهيلون التراب على جسدي
وينثرون الكلس على جمجمتي".
يرفض أقهات الخلود الممنوح ويرى فيه خداعاً يُقيّد الإنسان بدل أن يحرّره مؤكداً أن ما ينتظر البشر جميعاً هو الموت مهما تعدّدت الوعود الإلهية. هذا الحوار لا يعكس موقف فردٍ أسطوري فحسب بل يختصر رؤية أوغاريتية واقعية للوجود الإنساني ترى في الموت حقيقة نهائية لا تُنكر.
ورغم هذا الإقرار بحتمية الموت لم يكن الموت عند الأوغاريتيين فناءً مطلقاً بل انتقالاً من عالم البشر إلى عالم الآلهة. فقد آمنوا بوجود حياة ثانية بعد الموت وبأن الأموات سيقومون من قبورهم بأجسادهم. لذلك اعتادوا دفن موتاهم مع حاجاتهم الأساسية من طعام وأدوات إيماناً بأن الميت سيستيقظ يوماً من “نومه الطويل” ويجد ما يعينه في رحلته الجديدة.
تصوّر الأوغاريتيون الإنسان على أنه كيان مركّب من جسد فانٍ وروحٍ باقية. وعند الموت يغادر هذا الجوهر الجسد فتفقد الحياة معناها المادي. وتشير النصوص إلى أن الروح صُوّرت أحياناً على هيئة كائن صغير مجنّح يشبه النحلة ليبقى على اتصالٍ دائم بالجسد حتى بعد الوفاة في دلالة رمزية على استمرار العلاقة بين العالمين.
وتمنحنا الوثائق الأوغاريتية فهماً أدق لمفهوم النفس التي تُعدّ أحد عناصر هذا الجوهر الحيوي. فقد وُصفت النفس بأنها أشبه بالزفير الأخير تختنق وتغادر الجسد لحظة الموت معلنة انتهاء الوظيفة الحيوية للإنسان.
ولا يمكن فصل هذه المعتقدات عن طبيعة أوغاريت نفسها فقد كانت مدينة منفتحة على العالم احتضنت جاليات أجنبية من ثقافات متعددة وانعكس ذلك على تعدّد الآلهة والطقوس. فقد عُثر في أطلالها على معابد ونذور لآلهة غير أوغاريتية إلى جانب الآلهة المحلية.. في مشهدٍ ديني يعكس تسامحاً وانفتاحاً فكرياً نادراً في عالم الشرق القديم.
ومن خلال هذه الشواهد نستنتج أن الأوغاريتيين لم ينظروا إلى الموت بوصفه نهاية الوجود بل بوصفه تحوّلاً في الحالة الوجودية حيث لا تفقد الشخصية وعيها أو حضورها بل تنتقل إلى مستوى آخر من الإدراك في عالم الآلهة.
هكذا حدّثتنا أوغاريت عن نفسها لا عبر الأساطير وحدها بل من خلال رؤية فلسفية متماسكة للحياة والموت. فالحياة، في الفكر الأوغاريتي، وظيفة لجوهرٍ خاص يبقى الإنسان حيّاً ما دام هذا الجوهر مستقراً في جسده ويموت في اللحظة التي يغادره فيها.
وما تزال أخباركِ أيتها المملكة العظيمة تدهشنا بعد آلاف السنين بما كشفته نصوصك عن عمق إنساني وفكري قلّ نظيره.
شكراً لكِ يا أوغاريت..
لأنكِ ما زلتِ تُعلّميننا كيف كان الإنسان
يفكّر.
ويحيا.
ويواجه الموت بوعيٍ وشجاعة.